التاريخ الإسلامي

النقود والعملات في بلاد الشام في العصر الزنكي (521 – 579ه / 1127


النقود والعملات في بلاد الشام في العصر الزنكي

(521 ـــ 579ه / 1127 ـــ 1183م)

مـقـدمــة:

قبل أن نتحدث عن النقود والعملات في بلاد الشام العصر الزنكي (521 – 579ه / 1127 – 1183م)، لا بد من التطرق إلى موقع بلاد الشام وتسميتها وأهميتها الإستراتيجية، ومن ثم تقديم دراسة لأبرز المواقع الجغرافية فيها، وبالنسبة لموقع الشام الجغرافي، فإنه يعد من المواقع الإستراتيجية المهمة التي أعطت صورة واضحة الأهمية في فهم طبيعة الأحداث السياسية التي عاشتها البلاد في الحقبة الزمنية الزنكية.

 

بينما قسَّم الجغرافيون العالم إلى سبعة أَقاليم، تقع بلاد الشام ضمن الإقليم الثالث الذي يبدأ من المشرق فيمر على شمال الصين، ثم الهند والسند وكابل [1]، وكرمان [2] وسجستان [3]، وفارس والأحواز والعراق والشام والإسكندرية في مصر، وبلاد الصين، وصولًا بالقرب من مدين[4] في الشام[5]، وقد قسم بعضهم الشام إلى خمسة أجناد [6]، وهي جند قنسرين [7]، وجند دمشق وجند الأردن، وجند فلسطين وجند حمص[8].

 

أما فيما يخص حدود بلاد الشام، فإن غربيَّها بحر الروم أو البحر المتوسط، وشرقيَّها بادية الشام من أيلة [9] إلى الفرات، ثم من الفرات إلى حد الروم ــ تركيا حاليًّا ــ [10]، وشماليَّها بلاد الروم، وجنوبيَّها حد مصر، وآخر حدودها مما يلي مصر مدينة رفح، ومما يلي الروم الثغور وهي ملطية [11] والحدث [12] ومرعش[13] وطرسوس [14]، والذي يلي الجانب الشرقي والغربي [15].

 

وأما سبب تسميتها بالشام، فقد تعددت الروايات في ذكر تسمية الشام، ومنها أنها سميت شامًا لشامات في أرضها سود وبيض وحمر [16]، وقيل: إنها سُميت بالشام نسبة إلى سام بن نوح عليه السلام، وذلك أنه أول من نزلها، فجعلت السين شينًا لتغيُّر اللفظ العجمي [17]، بينما ذكر آخرون أَن سبب تسميتها بالشام، لأنها تقع شمال الكعبة [18]، في حين ذكر البعض الآخر أَنَّ قومًا من كنعان بن حام خرجوا عند التفريق، فتشاءموا إليها؛ أي أخذوا ذات الشمال، فسميت بالشام [19]، أو أنها شُبِّهت بالشؤم وهي اليد اليسرى[20]، والشام بالسريانية تعني الطيب، وسُميت بذلك لطيبها وخصبها[21].

 

نبذة عن الأوضاع السياسية في العصر الزنكي:

كانت بلاد الشام منذ دخولها الإسلام قد خضعت لسلطة الكثير من الدويلات والإمارات التي تعاقبت على حكمها، واتسمت بالصراع السياسي والعسكري الذي أدَّى بدوره إلى إحلال الضعف والانقسامات بين الأطراف المتصارعة، فكانت نتيجة تلك الصراعات إفساح المجال أمام القوى الصليبية لغزوها، وقد كان السلاجقة [22] إحدى تلك القوى التي سيطرت على أجزاء واسعة من بلاد الشام.

 

وقد بلغت السلطة السلجوقية أوجَ قوتها عندما دخل السلطان السلجوقي ألب أرسلان [23] إلى مدينة حلب سنة (463هـ / 1070م)، بعدما جعل طريقه على ديار بكر، ومر على آمد، ثم إلى الرها، فحاصرها ولم ينجح بالسيطرة عليها[24]، وعندما قدم حلب محاصرًا لها وفيها الأمير محمود بن نصر بن صالح بن مرداس (457 ـــــ 468ه / 1064 ـــــ 1075م م)، واستمر حصاره لها إلى أن خرج اليه محمود مع والدته فأنعم عليه وملكه إياه، وسار إلى القائد البيزنطي ديو جانس [25] الذي كان قد خرج من القسطنطينية، فالتقاه في موقعة ملاذ كرد (463ه / 1070م)، وانتصر عليه وهزم جيشه، وغنم معسكره وأسره، ثم منَّ عليه وأطلق سراحه، وقيل: إن أهل مملكته قتلوه لأمور نقَموها عليه، وكان ألب أرسلان أول من ذكر على منابر بغداد، وقيل له السلطان العالم[26].

 

وعندما خرج السلطان ألب أرسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه (465 ـــ 485ه / 1072 ـــــ 1092م) الذي كان معه، وأمر أنْ يحلف له العسكر، فحلفوا جميعًا، وأرسل ملكشاه إلى بغداد يطلب الخطبة له، فخطب له على منابرها لإضفاء الشرعية لحكمه، وكان الخليفة العباسي في ذلك الوقت هو القائم بأمر الله (422 ـــ 467ه / 1030 ـــ 1074م) [27].

 

وبدأ الصراع داخل الأسرة السلجوقية نتيجة الانقسامات المتكررة، وانقسام السلاجقة إلى ثلاثة أقسام وهم: سلاجقة العراق، وسلاجقة الشام، وسلاجقة الروم، وأدى ذلك إلى ظهور نظام جديد أطلق عليه نظام الأتابكيات[28]، وكان يطلق على هذه الأتابكيات اسم أتابك، وبعض هذه الوحدات صغيرة جدًّا لا تتعدى حدودها مدينة أو قلعة.

 

النقود والعملات الزنكية:

إنَّ دراسة الأوضاع النقدية في الدولة الزنكية تستند في تفسيرها إلى الأحوال الاقتصادية التي عاصرتها الدولة منذ نشوئها، وحتى سقوطها في كل من بلاد الشام والجزيرة، وكذلك مصر، أي من السنوات (521 ـــ 579ه / 1127 ـــ 1183م)، ولا جدال في أن العملة الزنكية توزعت كثيرًا، نظرًا لاتساع رقعة الدولة، وكذلك حجم معاملاتها مع القوى السياسية المجاورة أيضًا [29].

 

وكانت صناعة ضرب النقود بسيطة نوعًا ما؛ إذ يؤخذ طابع من حديد تنقش عليه الكلمات أو الآيات التي يراد ضربها على النقود مقلوبة، ثم توزن المعادن، ويوضع الطابع فوق كل قطعة، ويضرب عليها بمطرقة ثقيلة حتى تظهر الكتابة عليها[30].

 

وعُرفت السكة بأنها: ((الختم على الدَّنانير والدَّراهم المتعامل بها بين النَّاس بطابع حديد ينقش فيه صور أو كلمات مقلوبة، ويضرب بها على الدّينار أو الدّرهم، فتخرج رسوم تلك النّقوش عليها ظاهرة مستقيمة، بعد أن يعتبر عيار النّقد من ذلك الجنس في خلوصه بالسَّبك مرَّة بعد أخرى، وبعد تقدير أصحاب الدّراهم والدّنانير بوزن معيَّن صحيح يصطلح عليه، فيكون التّعامل بها عددًا، وإن لم تقدّر أصحابها يكون التّعامل بها وزنًا، ولفظ السَّكَّة كان اسمًا للطّابع وهي الحديدة المتَّخذة لذلك، ثمّ نقل إلى أثرها وهي النّقوش الماثلة على الدّنانير والدّراهم، ثمّ نقل إلى القيام على ذلك والنّظر في استيفاء حاجاته وشروطه)) [31].

وقد وجد دار الضرب في الدولة الزنكية، وهو دار خاص بسك العملة؛ إذ استخدمت الدولة الزنكية عملات ذهبية وفضية ونحاسية تعني الفلوس جمع فلس، وهذه تعريب من اليونانية، وهو نقد أثيني كان يساوي سدس الدرهم الأتابكي؛ أي (15) سنتيمًا، ووزن الفلس (72) غرامًا[32].

 

وكذلك الدينار الصوري الذي كان يضرب في مدينة صور بالشام [33]، ومن المرجح أن الفضة كانت متوافرة بصورة كبيرة في المشرق الإسلامي، وأنها امتلكت كميات كبيرة من المعدن الأبيض، أما الذهب فكان يجلب من مناطق الإمبراطورية البيزنطية، ولاتِّصالها التجاري مع الصليبيين الذين استوردوه من بيزنطة [34]، ومن الجدير بالذكر هو أن بلاد الشام في حقبة الأتابك عماد الدين زنكي ونور الدين محمود، كانت في حرب مستمرة مع الصليبيين للاستحواذ والسيطرة، فلم يستطيعوا في المدة المبكرة من حكمهم على سك نقود فيها إلا بعد مدة زمنية لاحقة.

 

وانتشرت دار سك العملة في دمشق وحلب وغيرها من المدن الشامية الاخرى، وقد سُكَّت العملات الزنكية الذهبية والفضية التي امتازت بأنها سليمة الضرب ـــ أي التي تكون سليمة من كل عيب يقع عليها في النصوص والنقوش والخط أو الدوائر أو القالب ـــ [35] والدراهم الفضية لنور الدين محمود التي سُكَّت في سنة (555ه / 1160م) وبلغ وزنه (890, 5) غرامًا، وكان على النحو الآتي:

مركز الوجه: صورة نصفية لشخص متجه نحو اليسار قليلًا فوق رأسه ملكان ناشران أجنحتهما، أما الهامش: (خمسمائة) على اليمين و(خمس وخمسين) على اليسار.

 

مركز الظهر: ابن زنكي الملك العادل العالم ملك أمراء الشرق والغرب، وكتب على اليمين (مودود) وعلى اليسار (بن آق سنقر)، ولا يوجد له هامش [36].

 

ولقد سكت في سنة (558ه / 1162م) دراهم فضية أخرى في عهد نور الدين محمود، بلغ وزن بعضهم (900، 2) غرام، وقطر (22) ملم، والبعض الآخر منها بلغ وزانها (100، 3) غرام، وقطر (23) ملم[37]، وكان على الشكل الآتي:

مركز الوجه: صورة شخصين واقفين ومتقابلين بينهما الصولجان وضع على مدرج، كتب بين الشخصين والصولجان على جهة اليمين (نور الدين)، وعلى اليسار (العادل).

 

مركز الظهر: صورة شخص واقف، كتب على اليمين (محمود)، وعلى اليسار (ملك الأمراء) [38].

 

ومن الجدير بالذكر أن العملة النحاسية لنور الدين محمود لم يذكر عليها شهادة التوحيد، ولا الرسالة المحمدية، ولا اسم الخليفة المستضيء بالله، وذلك لأن الخلفاء العباسيين لبعض الدويلات في مشرق ومغرب العالم الإسلامي منحتهم صلاحية سك العملات الصغيرة النحاسية، وذلك للتعامل الداخلي للتبضع، وتيسير أمور التجارة الداخلية، إذ امتازت عملات نور الدين محمود النحاسية جميعها بأنها صغيرة الحجم، خفيفة الوزن، رديئة الضرب، ضعيفة الخط، ونرى العملات النحاسية هذه مصورة على الوجهين بصورة أشخاص بكامل أجسامهم، وهي بلا شك ذات تأثيرات يونانية، وهذه الميزة جديدة بالنسبة للعملات النحاسية في بلاد الشام والجزيرة وغيرهما [39]، وإلى جانب العملات المعدنية، فمن المرجح أن بلاد الشام حينذاك عرفت الأوراق المالية التي عرفت بالصكوك [40].

 

وقد أحدثت هذه القراطيس العديد من المشاكل في التعاملات التجارية، ففي إحدى المرات حضر بعض التجار عند نور الدين محمود وشكوا زيادة ونقصان هذه القراطيس الذي يؤدي إلى خسارتهم، إذ إن القراطيس كان كل ستون منهم بدينار، فصار سبعة وستون بدينار، فيخسر بذلك أغلب التجار، وعندها سأل نور الدين محمود الحاضرين في مجلسه عن الحل، فذكروا له أن عقد المعاملة على اسم الدينار، ولا يرى الدينار في الوسط، وإنما يعدون القراطيس بالسعر تارة ستين منها بدينار، وتارة سبعة وستين بدينار، وبعدها أشار كل واحد من الحاضرين على نور الدين محمود أن يضرب الدينار باسمه، وتكون المعاملة بالدنانير الملكية، وتبطل القراطيس كليًّا، فسكت نور الدين قليلًا، ثم قال: إذا ضربت الدينار وأبطلت المعاملة بالقراطيس، فكأني خرَّبت بيوت الرَّعية، فإن كل واحد من السوقة عنده عشرة آلاف وعشرون ألف قرطاس، فماذا يعمل به، فيكون سببًا لخراب بيته، فأي شفقة تكون أعظم من هذا على الرعية، فأمر أن تبقى المعاملة بالقراطيس، وأن يكون عددها موحدًا أمام الدينار[41].

 

وعندما توسعت سيطرة الدولة الزنكية، وتوسعت مناطق نفوذها على بلاد الشام والجزيرة ومصر في عهد نور الدين محمود، ضرب السكة الدراهم والدنانير باسم نور الدين محمود، ففي سنة (566ه / 1170م) سَكَّت الموصل النقود باسم نور الدين محمود [42]، وعندما سقطت الخلافة الفاطمية في مصر سنة (567ه / 1171م)، قرر صلاح الدين الأيوبي ضرب السكة باسم الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله وباسم الملك العادل نور الدين محمود صاحب الشام، ولا سيما أن نور الدين محمود أرسل إليه الذهب تكريمًا له[43]، فقد نقش اسم كل واحد منهما في وجه، وفيها عمَّت بلوى المضايقة بمصارف أهل الديار المصرية، وذلك لأن الذهب والفضة خرجا من مصر ولم يرجع إليها بعد ذلك إلا عند وفاة نور الدين محمود سنة (569ه / 1173م)، عندها قرر صلاح الدين أن تبطل هذه النقود من الدراهم والدنانير، وأمر أن تضرب الدنانير ذهبًا مصريًّا ودنانيرَ ناصرية [44]، وبعد أن تسلم الملك الصالح إسماعيل ملك أبيه، بعث صلاح الدين كتبه إليه يعزيه بوفاة والده، ويهنئه بتسلمه السلطة، كما أرسل إليه دنانير مصرية عليها اسم الملك الصالح بعد أن أطاعه وخطب باسمه [45].

 

أما في عهد الملك الصالح إسماعيل (569 ـــ 577ه / 1173 ـــ 1181م)، فقد سُكَّت العديد من الدراهم الفضية والنحاسية خلال مدة حكمه، فالدراهم الفضية ضربت في مدينة حلب بعد وفاة والده نور الدين محمود سنة (569ه / 1173م)، فقرَّر الانتقال من دمشق إلى حلب بسبب الخلافات التي أحدثتها وفاة والده بسبب صغر سن الصالح إسماعيل [46]، وكان قد ضرب الدراهم الفضية سنة (574ه / 1178م)، وكانت على الشكل الآتي:

مركز الوجه: الله لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، والهامش: بسم الله ضرب هذا الدرهم بحلب سنة أربع وسبعين وخمسمائة.

 

مركز الظهر: الله، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملك الصالح إسماعيل بن محمود، وعلى اليمين كتب: ابن زنكي، وعلى اليسار: ابن آق سنقر، والهامش: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون[47].

 

وإن هذا الدرهم كان منقوشًا بالخط الكوفي المزخرف بزخارف هندسية، كما في كلمة المستضيء (المستضي)، والصالح (الصالح)، وأمير المؤمنين (أمير المؤمنين)[48].

 

أما العملة النحاسية، فكانت قد ضربت بين سنتي (569 ـــ 570ه / 1173 ـــ 1174م) في مدينة دمشق، وكان شكله كما يأتي:

مركز الوجه: إسماعيل الملك الصالح، والهامش غير واضح نتيجة الاستعمال.

 

مركز الظهر: الملك الناصر يوسف، والهامش غير واضح نتيجة الاستعمال أيضًا[49].

 

فضلًا عن الدراهم النحاسية التي سُكَّت في دمشق في السنة نفسها، فكانت على النحو الآتي:

مركز الوجه: المستضيء بالله أمير المؤمنين، والهامش: ضرب (بدمشق).

مركز الظهر: الملك الصالح، والهامش: بسم الله [50].

 

وأما فيما يخص أوزان هذه الدراهم، فقد اختلفت من مرة لأخرى، فتارة بلغ وزنها (040، 3) غرام، وقطر (18) ملم، وتارة (290، 2) غرام، وقطر (18) ملم، وتارة أخرى (800، 4) غرام، وقطر (23) ملم، و(650، 5) غرام، وقطر (22) ملم [51]؛ لأن النقود تتبع حالة البلد سياسيًّا واقتصاديًّا، فكلما كانت البلاد مستقرة أمنيًّا، سكت نقودًا جيدة ذات وزن ثابت.

 

ومن الجدير بالذكر أن الصليبيين كانوا قد سكوا نقودًا ذهبية وفضية ونحاسية مقلدة للدراهم والدنانير الفاطمية، وسجلوا عليها عبارات مسيحية باللغة العربية، إلى جانب سكهم نقودًا ذات عبارات لاتينية [52]، إذ خصصت أغلب هذه النقود للتعامل مع مناطق الشرق، إلى جانب ما امتلكته كل إمارة من إمارات الصليبيين عملتها الخاصة بها، ولا سيما العملة الفضية والقراطيس التي سكت بنفس أسلوب العملات التي سكت في فرنسا في سنة (542ه / 1148م)، مع تغيير طفيف، ففي وجه العملة نقشت صورة صليب، وعلى ظهرها كتب: (مدينة طرابلس)، بينما نقشت على بعضها في مركز الوجه عبارة: (عملة طرابلس)، بينما امتلأ الصليب ظهر العملة بدوائر وخواتم صغيرة، أما العملات الذهبية فنقش عليها: (دينار طرابلس) الذي كان تقليدًا للدنانير الإسلامية [53].

 

أما في سنة (575ه / 1180م)، فقد سكت جمهورية جنوة الإيطالية العديد من العملات الذهبية في مدينة عكا، فضلًا عن الدنانير الذهبية البيزنطية ذات الكتابات العربية التي كانت متداولة بنسبة كبيرة في الشام، وكانت هذه النقود يستخدمها أغلب الحجاج المسيحيين وتجار الغرب المسيحي الذين كانت لهم علاقات تجارية واسعة مع بلاد الشام في العصر الزنكي [54].

 

وكان للمحتسب دور كبير في مراقبة معاملات الأسواق والصيارفة، ومنعت التعامل بالعملة المغشوشة والربا، فمن تعامل به وجب على المحتسب أن يعرفه بأصول ومسائل الربا، كما أنه لا يجوز لأحد بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة إلا مِثْلًا بِمِثْلٍ [55]، ومنعت التعامل في بيع الخالص بالمغشوش والعكس، أو المغشوش بالمغشوش من الذهب والفضة، كبيع الدنانير المصرية بالدنانير الصورية، أو الصورية بالصورية، أو غير ذلك، لوجود الجهل بمقدارها، وعدم التماثل بينهما في الوزن ونحوه [56].

 

الخاتمة

وقد خرجت هذه الدراسة بالنتائج الآتية:

1- تكمن أهمية الدولة الزنكية في الدور المهم الذي أدَّاه أمراؤها على مسرح أحداث الشرق الأدنى الإسلامي في مرحلة من أشد مراحل التاريخ الإسلامي خطورة.

 

2- وشغلت التجارة جانبًا كبيرًا من اهتمامات الزنكيين، فاتبعوا السياسة السلمية مع الصليبيين مؤيدة بالاتفاقات والمعاهدات، إذ لم يلقَ التجار الذين كانوا يدخلون إلى بلاد الشام صعوبات كثيرة؛ وذلك لأن الملك العادل نور محمود كان قد عمل على إلغاء الرسوم والضرائب والمكوس، فاستقرت الأسعار في الأسواق، واستفاد منها جميع الأطراف بفعل رخص الأسعار وجودة البضاعة، وعدم احتكارها، فضلًا عن استئناف العلاقات التجارية مع الإيطاليين والفرنسيين وغيرهم، إذ كانت سفن جنوة وبيزا والبندقية تؤم الموانئ الشامية محملة بالبضائع الأوروبية، وتشحن معها المنتجات الشامية والمستوردات الشرقية، وكان ذلك كله من خلال سك العملة الزنكية ـــ الذهبية والفضية والنحاسية ـــ واتباع سياسة مالية صارمة لمنع الغش والحيل.

 

3- ومهما يكن من أمر، فإن العصر الزنكي كان من أزهى العصور الإسلامية التي مرَّت على بلاد الشام في العصور الوسطى، على الرغم من قِصَر المدة؛ فقد ترك الزنكيين بصماتهم شاهدة على حسن أعمالهم، وبديع أفعالهم، وروائعهم الخالدة.


[1] كابل: من ثغور طخارستان، وأهم مدنها أذان وخواش وخشك، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 4 /426).

[2] كرمان: إقليم ولاية مشهورة وناحية كبيرة معمورة ذات بلاد وقرى ومدن واسعة بين فارس ومكران وسجستان وخراسان، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 4 / 454).

[3] سجستان: أحد أقاليم خراسان، وهي ناحية كبيرة وولاية واسعة، وأرضها سبخة ورمال حارة، ينظر: (ياقوتالحموي، معجم البلدان، 3 / 190).

[4] مدين: من اعمال طبرية، واسم لقبيلة ايضًا، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 5 / 78).

[5] ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1 / 30؛ شيخ الربوة، نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، 20.

[6] اجناد: جمع جند وقيل سمى المسلمون فلسطين جندًا لأنه جمع كورًا والتجنيد يعني التجمع وقيل جندت جندًا؛ي

جمعت جمعًا وسميت كل ناحية بجند كانوا يقبضون اعطياتهم فيه، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1 /103).

[7] قنسرين: مدينة في شمال الشام بين حلب وحمص، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 4 / 403 ــ 404).

[8] الزمخشري، الجبال والامكنة والمياه، 89؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3 / 312؛ الحميري، الروض المعطار في خبر الاقطار، 335.

[9] ايلة: مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الاحمر) مما يلي الشام وقيل: آخر الشام وأول الحجاز، ينظر:(ياقوت الحموي، معجم البلدان، 1 / 292).

[10] مجهول، حدود العالم من المشرق إلى المغرب، 175.

[11] ملطية: بلدة من بلاد الروم المشهورة وهي متاخمة للشام، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 5 / 192).

[12] الحدث: قلعة حصينة بين ملطية وسميساط ومرعش من الثغور، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 2 /227).

[13] مرعش: مدينة في الثغور بين الشام وبلاد الروم ولها سوران وخندق، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 5/ 107).

[14] طرسوس: وهي مدينة بثغور الشام بين انطاكية وحلب وبلاد الروم، ينظر: (ياقوت الحموي، معجم البلدان، 4 /28).

[15] الأصطخري، المسالك والممالك، 55؛ ابن حوقل، صورة الأرض، 1 / 165؛ مجهول، حدود العالم، 175.

[16] المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الاقاليم، 152؛ البكري، المسالك والممالك، 1 /460.

[17] البكري، معجم ما استعجم من اسماء البلاد والمواضع، 3 / 773؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3/312.

[18] ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، 3 / 508.

[19] الحموي، معجم البلدان، 3 / 312.

[20] ابن شداد، الاعلاق الخطيرة في ذكر امراء الشام والجزيرة، 1 / 15؛ ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق، 1 / 41.

[21] الحموي، معجم البلدان، 3 / 312.

[22] السلاجقة: ينتسب السلاجقة إلى قبيلة قنق التركية والتي استقرت في بادئ الامر ببلاد ما وراء النهر اي سهول تركستان خلال القرون الثاني والثالث والرابع والتي هاجرت من موطنها الاصلي نحو مناطق آسيا الصغرى بسبب العوامل الاقتصادية بحثًا عن الكلأ والمراعي والاستقرار واعلنوا قيام دولتهم بشكل رسمي بعد انتصارهم على الغزنويين سنة (429هـ / 1037م) بقيادة طغرلبك، ثم إنقسم السلاجقة بعد ذلك إلى سلاجقة الروم وسلاجقة العراق وسلاجقة الشام. البنداري، تاريخ دولة آل سلجوق، 5 ـــ 10؛ الحسيني، أخبار الدولة السلجوقية، 2 ـــ 6.

[23] الب أرسلان: هو محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق، ولد في (424هـ / 1032م) وتوفي عاشر ربيع الأول (465 هـ / 1072م) بعمر الأربعين وبضع شهور, ودفن عند أبيه في مرو، وحكم للمدة (455 ـــ 465ه / 1063 ـــ 1072م). ابن الأثير، الكامل في التاريخ، 8 / 231.

[24] ابن الأثير: الكامل، 8 / 222؛ ابن خلدون، ديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهممن ذوي السلطان الاكبر، 5 / 4.

[25] ديو جانس: ويعرف بأرمانوس ديو جانس، وهو القائد البيزنطي الذي كان كثير الإعتداء على بلاد الشام لاسيما فيسنة (460 ـــ 462ه / 1067 ـــ 1069م) فوجد الب أرسلان الفرصة مواتية للتخلص من خطره، إذ إنتصر عليهفي معركة ملاذ كرد سنة (463ه / 1070م)، فأطلق سراحه شرط أن لا يتعرض لبلاد المسلمين، لكن أهل ملتهقتلوه بعد ذلك. ابن الأثير، الكامل، 8 / 223؛ ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، 4 / 1972 ــ 1973.

[26] ابن الأثير، الكامل، 8 / 223؛ ابن العديم، بغية الطلب في تاريخ حلب، 4 / 1971 ــ 1973؛ الصفدي، الوافي بالوفيات، 2 / 229.

[27] ابن الأثير، الكامل، 8 / 223.

[28] الأتابكيات: مفردها أتابك، هو الذي يربي أولاد الملوك، أتا بالتركية بمعنى (الأب) وبك بمعنى (الأمير) اي الامير الوالد، فكان زنكي عندما تقلد الموصل سلم اليه السلطان محمود ولديه ألب أرسلان وفروخ شاه المعروف بالخفاجي ليربيهما فلهذا قيل له أتابك. ابن خلكان، وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان، 2 / 328.

[29] الجليلي، المكاييل والأوزان والنقود العربية، 246.

[30] الرفاعي، الاسلام في حضارته ونظمه، 239.

[31] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 322.

[32] المقريزي، النقود الاسلامية المسمى بـــ (شذور القعود في ذكر النقود)، 84؛ محمد، صنج السكة، 30 ـــــ 31.

[33] ابن الاثير، الكامل، 9 / 395.

[34] آشتور، التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، 287؛ عوض، في الصراع الاسلامي الصليبي، 40.

[35] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 80 ـــــ 83؛ دفتر، المسكوكات، 177.

[36] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 156.

[37] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 83؛ عوض، في الصراع الاسلامي الصليبي، 40.

[38] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 125.

[39] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 125 ـــــ 126.

[40] ابو شامة، الروضتين، 1 / 64.

[41] ابو شامة، الروضتين، 1 / 64 ـــــ 65.

[42] الصلابي، عصر الدولة الزنكية، 466.

[43] ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والامم، 18 / 196؛ ابو شامة، الروضتين، 1 / 236؛ ابن قاضي شهبه،الكواكب الدرية، 10؛ السيوطي، تاريخ الخلفاء، 315؛ المناوي، النقود والمكاييل والموازين؛ ابن العماد، شذراتالذهب، 6 / 415.

[44] المناوي، النقود والمكاييل والموازين، 23؛ ابن بعرة، الاسرار العلمية، 126؛ الكرملي، النقود العربية وعلم النميات،59 ـــــ 60؛ عبد الرحمن، النقود، 72.

[45] ابن الاثير، الكامل، 9 / 395.

[46] ابن الاثير، الكامل، 9 / 395 ـــــ 396؛ ابو شامة، الروضتين، 2 / 317 ـــــ 318؛ الدمشقي، الدارس في تاريخالمدارس، 473.

[47] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 84 ـــــ 85.

[48] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 85.

[49] ابن الاثير، الكامل، 9 / 396؛ ابن الوردي، تاريخ ابن الوردي، 2 / 82؛ الحسيني، العملة الاسلاميةفي العهد الاتابكي، 127.

[50] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 127.

[51] الحسيني، العملة الاسلامية في العهد الاتابكي، 126.

[52] محمود، العلاقات الاقتصادية، 122؛ عوض، الحروب الصليبية، 139؛ حتي، تاريخ سورية، 1 / 257.

[53] محمود، العلاقات الاقتصادية، 122 ـــــ 123.

[54] حتي، تاريخ سورية، 1 / 257.

[55] الشيزري، نهاية الرتبة، 74؛ ابن الاخوة، معالم القربة، 68.

[56] الشيزري، نهاية الرتبة، 74 ـــــ 75؛ ابن الاخوة، معالم القربة، 68 ـــــ 69.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى