التاريخ الإسلامي

العدالة وصناعة التوازن


العدالة وصناعة التوازن

 

هل تستقيم حياة اجتماعية بغير عدالة؟ هل يستطيع البشر أن ينتظموا في بناء اجتماعي يسوده الظلم والاحتقار؟ ألن يؤديَ ذلك إلى البغضاء والشحناء والاقتتال؟ لماذا لا تمارس بعض البلدان النامية العدالة في أوطانها كما هو مشهود في البلدان الراقية؟ أسئلة ملأى بالقلق تنُمُّ عما أصاب كثيرًا من مجتمعاتنا العربية من خلل قِيَمِيٍّ، ترأسته السيدة الوقور المسماة عدالة، فكان من نتاجها هذا التفاوت الطبقي المهول في الهرم الاجتماعي، فبينما تجد الرجل يعيش في بذخٍ وترف يركب أعالي البحار في اليخوت الفاخرة، ويقيم فيها السهرات، ويعبر الحدود على متن الطائرة الخاصة من أجل إمضاء نهاية أسبوع في مكان سياحي جميل، وتجد الآخر يكدس الأموال في الأبناك ويستثمرها في المشاريع، تُلفي آخرين وهم كُثُر في المداشر والقرى البعيدة يئنُّون من الفقر المدقع، فترى الصبي الصغير حافيَ القدمين يجري على بسط الثلج، يلسعه البرد بسَوطه، فلا دِثار يدفئه، ولا ملبس يقيه، وتبصر المتشرد في المدن مفترشًا للرصيف، ممزقَ الثوب، يكشف أغلبه، وتنظر للمتسولين من كل الأعمار؛ عجائزَ وهن العظم منهم، وصبية عليهم الأسمال، وأرامل ابيضَّت أعينهن من الحزن، يمدُدْنَ الأيادي؛ لاستجداء العطاء في كل مكان؛ لذا فالناظر إلى مثل هذا لا بد أن يفطن إلى أن العدالة قيمة أفَلَتْ شمسها، وغار نجمها، فمدت أنامل الليل خيوط الظلام في نول هذه المجتمعات، وأحكمت نسجها حتى غدت بُسُطًا تُفترش، وألبسة تُرتدى، لا سبيل إلى إزالتها أو خلعها، هكذا غدت هذه المجتمعات المسكينة تبحث لها عن ضوء أو معنًى لضوء في غياهب الظلمات ترقب الْتِماعه من بعيدٍ؛ لعل الأمل يتحقق، لكن هيهات هيهات والجشع أعمى العيون، وحب الدنيا تملَّك القلوب، فسار المغتني في درب الاغتناء يجمع ويجمع لا يوقفه شيء، صارفًا بصره عن كل فقير، ومعرضًا عن كل محتاج، فلا زكاة مال تخرج، ولا صدقات تُوهب، كأنما الدنيا خلود لا فناء، وكأنه باقٍ لا حمام يرصده، وقد نسيَ المسكين قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [الأنعام: 44]، فيمضي غافلًا سادرًا على قلبه غشاوة منعته إغداقَ العطاء بعدلٍ على كل محتاج، والغريب أنه لن ينفق كل ما جمعه؛ إذ يكفيه منه قليل من قليل، فيعيش المسكين في لهفة، يلهث وراء الاغتناء، ولو أنه وهب مما أتاه الله لأهل الفقر والحاجة، ونظر في أحوالهم بقلب رقيق – لَوجد لذلك لذة لا تُضاهَى، فيغني الله قلبه، ويزيده من بركاته، فيحقق الحُسْنَيَيْن، وما أجمل أن يُرى للنعمة أثر على العباد وبين العباد!

 

إن هذا الحديث غير محمول على من أتاه الله رزقًا ونمَّاه، حتى اغتنى فعاش ترفًا، وإنما حديثي عن نخبة من الخلق، أنشبت أظفارها في كل الخيرات، وامتصت كالخفافيش دماء الناس، محتكرة لِما حبا الله به الأرض التي تمشي عليها، فوزَّعت الثروات وفق إرادتها، مغنية الغني، ومفقرة الفقير، فازداد أهل الغنى اغتناء، وأهل الفقر افتقارًا، فضاعت موازين العدالة وشالت، فأحس الفقير بالظلم، واستشعر أنه حقير ما أعطاه الوطن حقه المشروع البسيط من عدالة في الحياة، فتستشيط نفسه حنقًا، ويعلم أن صوته غير مسموع إلى الخلق، فيرفعه إلى الله، فما أشقى أولئك الذين رُفعت في حقهم دعوات من المظلومين!

 

إنها العدالة الاسم الأسمى في منظومة القيم، بها تتزن المجتمعات، وتمضي خطاها متَّئِدة نحو المجد، فلا نعرات طائفية تُخلق فيها، ولا صراعات عصبية تتوقد نيرانها، ولا حقد يُضمر في النفوس لأهل الثروة، ولا أصوات تعلو احتجاجًا على الظلم، بها تستمر الجماعات، وينقاد الأفراد، فكلما أحس المظلوم أن حقه لن يُهضم من قاضٍ في محكمة، إلا وارتاح ضميره، وهنأ باله، وسعد بحكم القاضي، يفصل في المسألة بعدلٍ، وكلما أخذ الفقير من الغني حقًّا معلومًا يستعين به على شظف العيش، إلا واستشعر السعادة تسري في عروقه؛ لعلمه أن عدالة الله في أرضه كائنة على يد خلقه، وكلما أخذ الضعيف حقه من القوي، فلم يجد له استئسادًا عليه لضعف فيه؛ لأن العدل فيصل في حدِّه الحدُّ بين الحق والباطل، إلا واستمرأ عيشه، وارتاح ضميره، هكذا يحيا الإنسان في مجتمع قويم يتماسك بنيانه، ويشد بعضه بعضًا، فلا صدع ولا شقَّ يرسم طريقه في معماره لمتانته، فيتآلف الكل، ويتوادد الناس، وهذا مراد الشرع من القيم الجميلة، وعلى رأسها العدالة.

 

إن استقامة المجتمعات لا تتأتى إلا بالعدالة التي تبدأ في أصغر دائرة؛ وهي الأسرة، فالأبوان ملزمان بممارسة العدل بين الأبناء، ولنا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم مَثَلٌ أعلى لهذه الممارسة؛ فقد أمر رسولنا الكريم عليه السلام بالعدل بين الأبناء؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))، وهو عدل يشمل كل السلوكات والتصرفات دون استثناء؛ من شراء للملبس، وترتيب للمضجع، وتوزيع للمأكل والأعطيات، بل حتى القُبُل من المشروع توزيعها بعدالة؛ حتى لا توغر الصدور، وينبت في منبتها شيء من الغل، ويكون العدل بين الجنسين، فلا يُؤثَر الذكر على الأنثى، ولا الأنثى على الذكر؛ لأن هذا من الجاهلية؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [النحل: 58]، كما يكون العدل بين الزوجات في المبيت والسكن والإنفاق والملبس والمعاملة؛ فلا يفضل واحدة على أخرى، ويخصها بفضل على غيرها، إلا ما كان من ميل قلبي، لا يمكن كبح جماحه؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ﴾ [النساء: 129]، فهذه الدائرة الصغرى من دوائر مجتمعنا هي النقطة التي تفيض الكأس؛ إذ منها المنطلَق نحو دوائر أخرى موضعها في المدرسة؛ حيث دور المعلم الذي يبث القيمة عبر ممارسته العادلة بين الأبناء، وينمي في قلوبهم بذرتها، متعهدًا إياها بالسقْيِ، ومشذبًا أغصانها بين الفينة والأخرى، فكلما لمح اعوجاجًا قوَّمه، وكلما نظر جموحًا روَّضه، فنال بذلك أجرين؛ أجر التهذيب، وأجر التعليم، فضرب العصفورين بحجر، فكان له الفضل في إنماء شجرة العدالة في النفوس الصغيرة؛ لتغدق ثمارها، وتؤتيَ أُكُلها بإذن ربها، ويأتي المحيط والمجتمع عمومه بمختلف تشكيلاته؛ مدنية كانت أو سياسية حكومية؛ لتضطلع بدورها في إرساء العدالة، وجعلها منهجًا عمليًّا وواقعًا في الحياة، فتخضعها للمراقبة والمحاسبة عند غيابها، فتضرب بيدٍ من حديد على هواة الظلم ومحبي البغي، فيعلمون أن لا مجال في مجتمعاتهم لممارسة الظلم، كيفما اتفق لهم؛ لأنهم سيصطدمون بجدار منيع لا ينفذ عبره الظلم، فينثنون ويرتدعون، خاضعين لجلال العدالة في واقعهم.

 

إن تخليق منظومة العدالة أمرٌ ليس بالعسير كما قد يخال الكثيرون، وإنما هي الإرادة والعزيمة التي تنطلق من قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، إذًا فمراجعة النفس ومحاسبتها، وجعلها مستشعرة رقابة الله في أرضه وعلى خلقه وازعٌ حتمي، يخلق وخز الضمير، وسيدفع النفس البشرية إلى الشعور بالتأنيب، فكل ما نحتاجه هو هذا الإحساس الذي غيَّبته عوالم المادة في حياتنا، والاغتسال من أدران الماضي لإعلان القطيعة مع القيم الدنيئة، واضعين أمام العيون مبدأ الإحسان قيمة عليا، تحرك البواطن، وتململ الدواخل، فتدفعنا إلى امتثال الأمر، واجتناب النهي، لنيل مرضاة الله وثوابه العظيم الذي لا تساوي الدنيا كاملة أمامه قِيد أنملة، فإذا ساد هذا النوع من التفكير في مجتمعاتنا التي رسم لها الوحي طريقًا مُعبَّدًا، فسارت عليه لا أظنها تضل ما دام مصباح الوحي متوهجًا في يديها، ينير لها العَتَمَةَ فيبدد الظلمة، وأي مسلك غير هذا لا بد أن ندفع ثمنه غاليًا، فنعيش التمزق والتفكك والدمار الاجتماعي؛ إذ كلما ابتعدنا عن سبيل العدالة الذي وضعه الله للبشر في الأرض وفق المنهج الرباني، تمزقت العُرى، وتفرق الناس أياديَ سبأ؛ بسبب انتشار الطغيان والإحساس بالاحتقار.

 

فالله الله في العدالة؛ فإنها قوام الأمر كله وملاكه، وسِنام القيم وذُروتها، تضييعها مذمَّة، وطريق للانحطاط، وسبيل إلى التشرذم والضعف الذي تهواه الأمم القوية المتكالبة علينا، ونشرها والعمل بها محمَدة، وطريق للرقي، ووسيلة للاتحاد والتقوِّي ووحدة الصف؛ فنكون كالسد المنيع، والحصن الحصين في وجه من تُسوِّل له نفسه النيل من كبريائنا، والحط من قدرنا، فلا نمنح فرصة للأمم كي تستهزئ بقيمنا، ونحن أهل القيم من نبعنا غرفت، فنظمت صفوفها، وحاكت خيوط نسيجها؛ فأبدعت منه أجمل البسط، وأبهى الأفرشة، فتباهت به بين الأمم، وحُقَّ لها ذلك ما دامت أجمل الأخلاق التي نفقدها في واقعنا قد أخذها الغرب منهجًا في الحياة، فصَفَتْ مشاربه، وانطلق متساميًا في سُلَّم الحضارة، ونحن نرقب ما يصنع، ونتلقف منجزاته ضعافًا كالبُغاث، فأي مذلة تفوق هذه؟ وأي هوان بلغناه، ونحن ننظر بعيون فاترة أخذ منها الكرى كل مأخذ؟ لذا لا نظن أن مجتمعًا يسوده الظلم، وتغيب فيه العدالة أسمى القيم، يستطيع النهوض؛ لأن هذا سيكون ضربًا من الجنون، لأنه سيظل متخبطًا في ظلمائه، لا يهتدي له مسير، مهما حاول أن يصنع؛ إذ لا تُبنى الحضارات إلا في الأجواء الصافية النقية التي يحيا فيها الكل على قدم المساواة، فيؤدي كلٌّ وظائفه بجدٍّ وتفانٍ، خدمة للوطن، جاعلًا من المصلحة العامة أسمى أهدافه، ومن نكران الذات أسلوبًا في الحياة.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى