التاريخ الإسلامي

صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: الفاروق وصلح الحديبية (6)


صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه:

الفاروق وصلح الحديبية (6)

 

موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صلح الحديبية:

كان للفاروق عمر موقف من صلح الحديبية، لقد ظل الحزن مسيطرًا عليه وعلى الصحابة رضي الله عنهم، فكان مما دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يعبر عن مدى الحزن والأسى في قلب عمر والصحابة رضوان الله عليهم من هذا الصلح، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول عمر بن الخطاب، (فقلت: ألست نبي الله؟) فالرسول عليه الصلاة والسلام بسعة صدر عجيبة وبكل هدوء قال: ((بلى))، قلت: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟)، فقال صلى الله عليه وسلم: ((بلى))، قلت: (فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟).

 

هذا كلام خرج من فم عمر لحرقة قلبه وغيرته على الإسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حشاه أن يعطي الدنية أبدًا في دينه؛ لكن هكذا صرح عمر بن الخطاب بهذه الكلمات التي كانت في قلوب كثير من الصحابة، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على التصريح بها، فقال صلى الله عليه وسلم كلمات واضحة تنم عن معرفته بما يفعل، كلمات تحمل بداخلها الثقة بالله وأن الله سينصره، قال: ((إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري))، نعم إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه أبدًا.

 

وفي رواية: ((ولن يضيعني أبدًا)) يعني: أن هذا وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو عز وجل أمرني ولن أعصيه في هذا الأمر، يقول لعمر، وكأنه قرأ من كلمات عمر ما في قلوب الصحابة وليس عمر فقط، وكأنه يقول لهم اصبروا وثقوا بي، إن هذا الأمر الذي تكرهونه سترون من ورائه خيرًا إن شاء الله.

 

ورغم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمر الذي غُلف بسعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن عمر رضي الله عنه قال: (أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟).

 

والله لقد شعرت من كلمات سيدنا عمر رضي الله عنه أنها تعبر عن مدى المأساة التي كان يعيشها عمر رضي الله عنه وأرضاه والصحابة أجمعين، شعرت بمدى تلك الغصة التي بداخلهم، شعرت وكأني معهم والغضب بداخلي، وصلت إلى ما وصلوا إليه، شعرت وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثني معهم، هكذا صبر الحبيب صلى الله عليه وسلم على كلمات عمر بن الخطاب، وقال له: ((بلى))، قال: ((أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟))، قال عمر: (لا) يعني: أنا أخبرتكم أننا سندخل مكة المكرمة معتمرين إن شاء الله، لكن ما ذكرت لكم أن هذا يكون في هذا العام.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: ((فإنك آتيه ومتطوف به))، قال رسولنا الحبيب هذا الكلام بكل يقين وثقة؛ لأن هذا وعد رب العالمين سبحانه وتعالى، فهل أُخمدت نار الغيرة على دين الله وعلى رسول الله في قلب عمر بن الخطاب؟

 

كلا والله، فلقد ذهب عمر بن الخطاب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فقال له: (يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟) حشاه عمر أن يقولها مستنكرًا، إنما هي كلمات تحمل الكثير من الغيرة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام، فما زال يتحدث مع أبي بكر، (قال أبو بكر: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا) وها هو أبو بكر رضي الله عنه الرجل الهادئ الحكيم لما سمع هذه الكلمات انتفض وقال: (يا عمر، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه عز وجل، وهو ناصره) فكانت كلمات الصديق رضي الله عنه وأرضاه دون أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتوافق مع نفس كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم مناقب الصديق كما يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح صحيح البخاري، ثم إن الصديق يعطيه نصيحة هامةً جدًّا وهي له ولعموم الأمة الإسلامية، قال: (فاستمسك بغرزه) يعني: أي خطوة يخطوها صلى الله عليه وسلم استمسك بها، تمسك بسنته، قال: (فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق).

 

وما زال عمر رضي الله عنه يعترض، فقال: (أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟)، رد عليه الصديق: (قال: بلى، ثم قال: أفأخبرك أنه يأتيه العام؟) سبحان الله! نفس كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفأخبرك أنه يأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومتطوف به)، لقد كان لدى الصديق يقين تام وإيمان كامل بالله عز وجل وبرسوله الحبيب، وكيف لا يصدقه في كلماته وهو الذي صدقه وآمن به منذ حدثه عن الإسلام، وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أعظم البشر بعد الأنبياء.

 

يا الله، كم أحب أن أقرأ هذا الحوار بين عمر ورسول الله، وبين عمر وأبي بكر الصديق! فكلما تعاظم في نفسي حال المسلمين أتذكر هذا الحديث الراقي المغلف بحسن كلمات عمر وغيرته، وبسعة صدر الحبيب صلى الله عليه وسلم، وبثقة أبي بكر الصديق، فأتساءل: هل يوجد اليوم مثل عمر وغيرة عمر على الإسلام والمسلمين، هل يوجد مثل سيف عمر في قوته وعدله، فكم من موقف مَرَّ على المسلمين احتجنا أن نرى فيه موقفًا مثل موقف عمر من صلح الحديبية، لقد عجبت لحالنا، وكلما قرأت في سيرة الفاروق ازددت يقينًا أننا اليوم نحتاج إليه فيما بيننا.

 

رحم الله الفاروق عمر بن الخطاب لو كان بيننا اليوم ما تجرأ اليهود وأمثالهم على تخطي شبر واحد من أراضي المسلمين، ولا قامت لهم دولة ولم تبطش لهم يد أبدًا.

 





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى