التاريخ الإسلامي

إطلالة على “موطأ الفقيه أبي محمد عبدالله بن وهب المصري (ت197هـ)” رواية يونس بن عبد الأعلى (ت 264هـ)


إطلالة على «موطأ الفقيه أبي محمدٍ عبدالله بنِ وهبٍ المِصري (ت197هـ)»

رواية يُونس بن عبدالأعلى (ت264هـ)

 

الحمدُ لله وحده، وبعد:

كان يُقال: «لا يُؤخذُ العلمُ من كُتبِيٍّ، ولا القرآنُ من مُصْحفِيٍّ»، وإن كانت الكتبُ في آخرِ الزمان خزائن العلوم؛ فإنَّ مَفاتيحَ مَغالِقها الصُّدورُ.

 

وقد كان العلمُ في الصَّدْر الأول خزائِنُه الصدورُ ولم تكن كُتُبٌ، وصار في آخِر الزمانِ أكثرُه في الكتبِ وأقَلُّه في الصدور[1].

 

وقد كان الإمام مالكٌ إذا سُئل عن مسألةٍ كَتَبها أصحابُه، فيصير لكلِّ واحدٍ منهم «سماعٌ»[2].

 

الأسمعة عن مالك:

والأسمعةُ عن الإمامِ مالكٍ هي ما قيَّدها عنه تلاميذُه في الفتاوى والفقهِ من مُدَوَّناتِ ومُقيَّداتٍ، وهي التي رواها عنهم تلاميذُهم فمَن بعدَهم، وهي مادةُ المتونِ التي أُلِّفَت في المذهبِ منذ تلاميذِ الإمامِ مالكٍ إلى الآن.

 

ومع أهمية السماعاتِ في نشأةِ المذهبِ فإن أصولَها المرويةَ قد تُجُووِزَت وفُقِدَت مرجعيتُها بالتدرجِ منذ أن شَرَعَ الفقهاءُ في تصنيفها أمهاتٍ ومتونًا[3].

 

ويُعَدُّ «موطَّأ ابن وهبٍ» من أُمّاتِ كتب المالكيةِ التي عوَّل عليها العلماء في نقلِ مذهبِ الإمامِ مالكٍ بوساطة أسمعةِ ابنِ وهبٍ؛ وذلك لكونِ ابنِ وهبٍ من الثقاتِ والمُتَثَبِّتين في مالكٍ.

 

مكانة ابن وهب في المذهب المالكي:

فهذا أبو بكر الأَبْهريُّ (ت 375هـ) شيخ العراقيينَ وسائر المُنْتَحلين لمذهبِ مالكٍ من البغداديِّينَ، وإليه انتهت الرياسةُ في المذهبِ المالكيِّ، يقولُ: ابن وهبٍ أوثقُ فيما يرويه عن مالكٍ منِ ابن القاسمِ.

 

فقال له أبو العباسِ السَّرَقُسطيُّ: من أين قلتَه؟

قال: لأن مسائلَ ابنِ وهبٍ مُؤرَّخة في يوم كذا في شهر كذا على ألفاظِ مالكٍ، ومسائل ابنِ القاسمِ على لفظِ ابنِ القاسمِ، ألا ترى في الحكايةِ أن مالكًا قال له يومًا وهو يُملي عليه: «لو نفد قِرطاسُك يا أبا محمدٍ لزدتُك»؛ انتهى.

وقال ابن وهبٍ: خرجت أنا وابنُ القاسمِ إلى مالكٍ بضعَ عشرةَ سنةً، فكنت أنا أسألُه سنةً، وابن القاسم سنة، فما سألتُه أنا فهو عند ابن القاسمِ: «سمعت مالكًا»، وما سأله ابن القاسم فهو عندي: «سمعت مالكًا»؛ إلا أن ابن القاسمَ طرَح من قول مالك ما خالَف الأصولَ، وتركتها أنا على حالِها.

 

وكان مالكٌ يكتبُ إليه: «إلى أبي محمدٍ المفتي عبدالله بن وهْبٍ…»، فعلَّق الإمامُ الأبهريُّ قائلًا: لم يكتبْ مالكٌ إلى أحدٍ من أصحابِه بـ «المفتي» إلا لابنِ وهبٍ.

 

وكان الإمام ابن وهبٍ قد تفقَّهَ بمالكٍ وعبدِالعزيزِ، وابنِ أبي حازمٍ، وابنِ دِينارٍ، والمُغيرة، والليثِ بنِ سعدٍ، وعبدِالرحيمِ الإسكندرانيِّ، وسعيدِ بنِ عبدالله المَعَافِرِي.

 

وهو من أئمةِ الإسلامِ كبير؛ واختار مذهبَ مالكٍ على كثرةِ مَن رَوَى عنهم منَ العلماءِ، ورُوِي عنه أنه قال: لقِيتُ من أهلِ العلمِ عددًا كثيرًا، فلولا أن الله تعالى أنقذني بمالكٍ والليثِ لَضَلَلْتُ[4].

 

وابن وهبٍ ممن جمعَ وصنَّف، وهو الذي حفِظ على أهلِ الحجازِ ومصرَ حديثهم[5]، وجمع لهم مُسنَدَهم ومَقطوعَهم[6].

 

وقد ألَّف ابنُ وهبٍ تواليفَ كثيرةً، وصفها القاضي عياضٌ بأنها: جليلةُ المقدارِ، عظيمةُ المنفعةِ، منها:… «موطَّؤُه» الكبير[7].

 

وقد أثنى عليه سَحْنون فقال: واللهِ ما أَوَدُّ أنه فاتني من «موطأِ ابنِ وهبٍ» حرفٌ -أو قال: حديث- وأن لي عِيرًا أو قِطَارًا[8] تحمل الذهب من هاهنا إلى مِصْرَ، ووالله ما يُبالي مَن كان «مُوَطّأُ ابنِ وهب» عند رأسِه متى جاءه الموتُ، لقد أَخَذَ للموت عُدَّته[9].

 

ويقع «موطأُ عبدالله بن وهبٍ» في ثلاثين كتابًا؛ فيما قاله أبو عُمرَ بنُ عبدِالبَر[10]، والذهبي يقول: «مُوطَّأ ابنِ وهبٍ» كبيرٌ إلى الغايةِ[11].

 

وقد بَقِي من «موطَّأ ابنِ وهبٍ» قِطَعٌ عتيقةٌ من روايةِ سَحْنون بنِ سعيدٍ محفوظة في المكتبةِ العتيقةِ بالقيروان[12]، وعليها بعضُ تطريزاتِ الإمامِ سَحْنون، منها: قطعة من «كتاب المحاربة»، وأُخرى من «كتابِ القضاءِ في البيوعِ»:

الأولى: طُبِعَت في دار الغرب الإسلامي بتحقيق وتعليق: ميكْلُوش موراني، سنة: (2002هـ).

 

والثانية: نُشرت في ذات الدار، ولنفس المحقق، سنة النشر: (1424هـ-2004م).

 

وقد تسابَقَ الأئمةُ والحُفَّاظ إلى كتابتِه وروايتِه وشرحه والعناية برجاله والاقتباس منه:

فهذا أبو بكرٍ الأَبْهري يقول: كتبتُ بخطي «موطَّأ ابن وهب»[13].

 

وهذا أبو عثمانَ سعيدُ بن عثمان الأعناقيُّ القُرطبيُّ يقول: لمَّا قدِمْنا مصرَ وجدنا يونسَ أمره صعبًا، ووجدنا ابنَ أخي ابن وهبٍ -يعني أحمدَ بنَ عبدِالرحيمِ بنِ وهبٍ- أسْهلَ، فجمعنا له دنانيرَ وأعطيناها إياه، فقرأ لنا ‌مُوطَّأ ‌عمِّه، وجَامِعَه[14].

 

وهذا أبو الطاهرِ ابن السَّرحِ قد شرحَ «موطَّأ ابن وهب»[15].

 

وفي ظهرية «شيوخ عبدالله بن وهبٍ القُرشي الذين روى عنهم وسمِع منهم…»[16]، ودِيباجته:

«هذا سِفرٌ فيه جميعُ شيوخِ عبدالله بنِ وهبٍ القرشي الذين روى عنهم وسمِع منهم، وذكرُ تجريحِ من جُرِّح منهم وتعديلِه، مما وقع في «كتاب أبي عبدالله محمد بن وضَّاح»، أمر بجمعه وتأليفه سُليمان بن عبدالله ابن الإمام الخليفة أمير المؤمنين[17].

 

وكانوا -أيَّدهم الله- قد وقفوا في هذه المدة اهتمامَهم على النَّظر في «موطأ ابن وهب»، وصرفوا اهتمامهم لضبط رواياته، وتقييد أسانيده، وحِفْظ رُواته؛ إذ كان هذا الكتاب من أشرف ما أُلِّف وأحسن ما صُنِّف، وإذ كادت معالمُه في هذا الأوانِ أن تَدرُس أنوارُه لقلة المعتنين به وأن تُطمَس.

وكان قد وقَع إليهم -أدام اللهُ تأييدَهم- جزءٌ صغير في «تسمية شيوخِ ابنِ وهبٍ» غير مرتَّبٍ ولا مُستوعِب، فكلَّفوا بعض عبيدهم انتساخَ ذلك الجزءِ مرتَّبًا على حروف المعجم، وأن يُلحَق فيه ما ذكره أبو محمدٍ عبدالرحمن بن أبي حاتم من تعديلهم وتجريحهم… وأمروا أيضًا -أدامَ الله تأييدَهم- أن يُضاف إلى ذلك بعضُ ما ذكره أهلُ العلمِ في مناقبِ ابنِ وهبٍ، ونَسَبه ومحله من العلمِ ومنصبه…».

 

وممن سمِع «الموطأ» من ابنِ وهبٍ نفسِه، واقتبسَ منه:

عبدالله بن عبدالحَكَم (ت214هـ) في «المختصر الكبير»؛ ويذكر أبو عُمرَ أن ابنَ عبدِالحكمِ روى عن ابنِ وهبٍ كثيرًا مِن رأيِ مالكٍ الذي سمِعه منه، وأنه صنَّف كتابًا اختصرَ فيه تلك الأسمعةَ بألفاظٍ مُقرِّبة[18].

 

سَحْنون بنُ سعيدٍ (ت 240هـ) في «المدوَّنة»، وقد شَحَنَها بنقلِ أسمِعةِ ابنِ وهبٍ عن مالكٍ، وشحنها بالرواياتِ المرفوعة.

 

وممَّن وقعت له روايةُ «الموطَّأ» لابن وهبٍ، واقتبس منه:

أبو جعفرٍ الطحاويُّ (ت321هـ) في: «أحكامِ القرآنِ»[19]، «مشكِلِ الآثارِ»[20]، «اختلاف العلماء بانتخابِ الجصَّاص»، ويرويه الطحاويُّ عن يونسَ بن عبد الأعلى، عن ابن وهب.

 

ابنُ أبي زيدٍ القَيرواني (ت 386هـ) في «اختصارِ المدوَّنة والمختلطة باستيعاب المسائل واختصار اللفظ في طلب المعنى وطرح السُّؤال وإسناد الآثار وكثير من الحِجاج والتَّكرار»، وفي «النوادر والزيادات» من طريق سَحْنون بن سعيد والحارث بن مِسكين وأبي الطاهرِ أحمد بن عَمْرِو بنِ السَّرْح، عن ابنِ وهبٍ.

 

أبو عُمر بنُ عبدِالبر (ت 463) في «التَّمهيد لِما في الموطَّأ من المعاني والأسانيد في حديث رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم»[21] من جهة سَحْنون والحارثِ وأبي الطاهر، عن ابنِ وهبٍ.

 

ويُعَدُّ «موطَّأُ ابنِ وهبٍ» أحدَ الروافدِ السبعةِ التي اعتمد عليها أبو عُمرَ في «الكافي في فقهِ أهلِ المدينة»، فقال: فعوَّلت منها على سبعةِ قوانين دون ما سواها؛ وهي:… «موطأ ابن وهب»[22]... بإسناده إلى سَحْنون بن سعيد، عن ابنِ وهبٍ، ومنها: كتبٌ عن أبي الطاهرِ أحمدَ بنِ عمرِو بنِ السَّرْحِ وسَحْنون جميعًا عن ابنِ وهبٍ[23].

 

والقاضي أبو الحسنِ الخِلعيُّ (ت 492هـ) في «الفوائدِ المنتقاةِ من الصِّحاحِ والغرائب» المعروف بـ «الخِلَعيات»، وروايته لـ «موطأ ابن وهب» من طريق يونس بن عبدالأعلى، وقد اقتصرَ على رواية المرفوعاتِ.

 

وقد تملَّك ابنُ عطيةَ الأندلسيُّ (ت 542 هـ) حق روايةِ «موطأِ ابنِ وهبٍ»، بروايتَيْ يونس بن عبدالأعلى وأحمد ابن أخي ابن وهب[24].

 

وهذا الشهابُ ابنُ حجرٍ الحافظ (ت 852هـ) تملَّك حق روايةِ «موطَّأ ابنِ وهب»، رواية سَحْنون، وأفاد في تغليقِ بعضِ تعاليقِ «الجامعِ الصحيحِ» لأستاذِ الدنيا البُخاري (ت256هـ)[25].

 

ومما يَحسُن ذِكرُه أن الدكتور محمد الأمين الشنقيطي ومَن معه ذكَر أن مرويات ابن وهبٍ من الأحاديثِ المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في «الصحيحين» (664) حديثًا في الأعمِّ الأغلب، منها:

في البخاري (135) حديثًا، والباقي (529) خرَّجها مسلم.

 

أما في السنن الأربع: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فبلغت (610) أحاديث؛ لأبي داود (161) حديثًا، ولأبي عيسى الترمذي (126) حديثًا، ولأبي عبدالرحمن النسائي (217) حديثًا، ولابن ماجه (106) أحاديثَ[26].

 

والنقولاتُ عن «موطأِ ابنِ وهبٍ» أكثرُ من أن تُحصَى، وإنما ذكرتُ المتصِلَ بالسماعِ، والله أعلم.


[1] «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد القيرواني (1/ 8).

[2] «رياض النفوس» لأبي بكر المالكي (1/ 256).

[3] «الدليل التاريخي لمؤلفات المذهب المالكي» (ص33)، «الموجز في تاريخ المذهب المالكي بإفريقية التونسية» (ص97).

[4] «التَّسمية والحكايات» (ص100-103).

[5] «الثقات» لابن حبان (8/ 346).

[6] «الكامل» لابن عدي (6/ 556).

[7] «ترتيب المدارك» (3/ 242).

[8] القِطَار: عدد من ‌الإبل ‌على ‌نسق ‌واحد؛ ينظر: «اللسان»، مادة (قطر).

[9] «أخبار ابن وهب وفضائله» لابن بشكوال (ص98).

[10] «سير أعلام النبلاء» (8/ 752).

[11] «تاريخ الإسلام» (4/ 1143).

[12] لمعرفة المزيد حول وصف القطعتين ينظر: «المكتبة العتيقة بالقيروان» (ص70، 198).

[13] «الديباج المذهب» لابن فرحون (2/ 207).

[14] «جذوة المقتبس» للحميدي (ص127).

[15] «ترتيب المدارك» (4/ 174).

[16] نسخة محمد إبراهيم بن أحمد بن جعفر الكتاني، الملحقة بالخزانة العامة بالرباط.

[17] يعني: أبا الربيع سُليمان ابن الأمير أبي محمد عبدالله ابن الإمام الخليفة عبدالمؤمن بن علي.

[18] «الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء» (ص99).

[19] ينظر: «أحكام القرآن الكريم» (2/ 373).

[20] ينظر: «شرح مشكل الآثار» (7/ 453).

[21] ينظر: «التمهيد» (1/ 262).

[22] ينظر: «الكافي» (1/ 138).

[23] اللوحة الأخيرة من «الكافي» لابن عبدالبر؛ ضمن المطبوع منه (1/ 144).

[24] «فهرسة ابن عطية» (ص129).

[25] «تغليق التعليق» (5/ 442).

[26] ديباجة تحقيق «موطأ ابن وهب الصغير» (م1/ 57).





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى