التاريخ الإسلامي

العفو العام والعفو الخاص


العفو العام والعفو الخاص

 

وقف النبي صلى الله عليه وسلم أمام باب الكعبة، واجتمع الناس حوله من أهل مكة يستمعون ما يقول، ثم قال: ((لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل دم أو مأثرة أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج))، ثم قال: ((يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟))، قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء))، فعفا عنهم، فدخلوا في دين الله أفواجًا، وتأخر بعض منهم يتأملون ويفكرون، ثم أعلنوا إسلامهم، وغدت مكة مسلمة خالية من المشركين، ثم طاف عليه الصلاة والسلام بالكعبة سبعًا، وأزال ما فيها من أصنام وأوثان، وكان بيده قضيب من حديد حطم به هذه الأصنام وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، ودخل الكعبة فرأى فيها صور الأنبياء فأمر بها فمُحيت، وحانت صلاة الظهر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا فصعد ظهر الكعبة وأذَّن، وصلى المسلمون الظهر يؤمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان كان قد حظر عليهم سنين طويلة، ثم جلس على الصفا للبيعة وعمر بن الخطاب تحته، فكان يبايع الناس على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وأما بيعة النساء، فقد أتاه وفد منهن، وهند بنت عتبة معهن متنكرة، وطلبن المبايعة، فقال: ((تبايِعْنَني على ألا تشركن بالله شيئًا ولا تسرقن ولا تزنين ولا تقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف))، ثم قال لعمر: ((بايِعْهن واستغفر لهن الله))، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، ولا يَمسُّهن.

 

بالرغم من تنكُّر هند، فقد كانت تجيب النبي صلى الله عليه وسلم على كل شرط من شروط البيعة، فعندما قال: ((لا تشركن بالله شيئًا))، قالت: إنك والله تأخذ علينا ما لا تأخذه على الرجال، فسنؤتيكه، ولما قال: ((ولا تسرقن))، قالت: والله إن كنتُ لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، فقال أبو سفيان: أما ما مضى فأنت في حلٍّ منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أهند؟))، قالت: أنا هند، فاعفُ عما سلف، عفا الله عنك، ولما قال: ((ولا تزنين))، قالت: وهل تزني الحُرة؟!

 

لم يُقتَل من الرجال المهدرة دماؤهم إلا عبدالله بن خطل، قتله سعيد بن حريث، ومقيس بن صبابة علم بمكان اختفائه نميلة الكناني فأتاه وقتله، وهذان كانا قد أسلما وارتدا بعد غدر، فكلُّ واحد منهما قتَل مسلمًا غدرًا، أما البقية فكانوا على النحو التالي:

برز كعب بن زهير أمام النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان متخفيًا، فأعلن إسلامه، وأنشده قصيدة “بانت سعاد”، فعفا عنه وخلع عليه بردته.

 

وشفع عثمان بن عفان لعبدالله بن أبي السرح، وأتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلن إسلامه، وهو قائد معركة ذات الصواري فيما بعدُ.

 

وهرب صفوانُ بن أمية باتجاه البحر إلى جدة، فشفع له عمير بن وهب الجمحي، وقال: سيد قومي قد هرب من مكة، فآمنه فأمنه، وأرسل مع عمير عمامته السوداء ليتأكد من الأمان، فلما حضر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعلني بالخيار شهرين، قال: أنت فيه أربعة أشهر، ثم أسلم.

 

وأما عكرمة فقد هرب باتجاه اليمن، فأتت امرأتُه أم حكيم النبي صلى الله عليه وسلم فاستأمنت له، فخرجت في إثره ومعها غلامها الرومي، فراودها عن نفسها في الطريق فأطعمته ومنَّتْه، حتى إذا بلغت حيًّا من أحياء العرب استصرخت عليه الناس فأوثقوه، ثم قتله عكرمة بعد ذلك، وقيل: فقتلوه، وتابعت الطريق إلى زوجها فأدركته وهو يريد ركوب البحر، فقالت: جئتك من عند أوصل الناس وأحلمهم وأكرمهم وقد آمنك، فرجع، وقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم، وقال: استغفر لي يا رسول الله، فاستغفر له، وسُرَّ بإسلامه.

 

وأما ابن الزبعرى، فقد هرب، وبعد فترة عاد وأسلم واعتذر عما سلف منه، وسخَّر شعره في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، فعفا عنه:

يا رسولَ المليكِ إنَّ لساني
راتقٌ ما فتقْتُ إذ أنا بُورُ

وأما وحشي فقد هرب إلى الطائف، ثم قدم في وفد أهل الطائف الذين أسلموا، فأسلم وشهد شهادة الحق، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخبرني كيف قتلتَ حمزةَ))، فأخبره، ثم قال له: ((غيِّبْ وجهَك عني))؛ كيلا يذكِّره بمقتل حمزة فيغضب عليه، قتَل فيما بعدُ مسيلِمةَ الكذاب، وسكن الشام بعد الفتح.

 

ومِن النساء قُتلت سارة مولاة عمر، فقد أسلمت ثم عادت فارتدت، قتلها علي.

 

والمغنيتان اللتان كانتا عند ابن خطل وتغنيان بهجاء النبي فألقي القبض على إحداهما وهي قريبة وقتلت، وفرت الأخرى، ثم تنكرت وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى