التاريخ الإسلامي

النصر الحاسم


النصر الحاسم

 

وعد الله نبيه بالنصر: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ [آل عمران: 160]، كانت غزوة الخندق اختبارًا للمسلمين وابتلاء، وهي أشد عليهم من أحد؛ فالكفار في عشرة آلاف مقاتل وهم على أبواب المدينة لا يفصل بينهم وبينها سوى الخندق، وفي الوقت نفسه فإن المسلمين استعدوا للمواجهة وبذلوا أقصى ما عندهم لقتال العدو، متخذين الأسباب، غير متقاعسين ولا متواكلين.

 

حفروا الخندق وبذلوا لذلك طاقة جبارة في حفره، وهو عمل شاق ومجهد في وقت كان فيه المال بين أيديهم قليلًا، فصبروا على الجوع والتعب لقاء مرضاة الله، ثم رابطوا على الخندق يمنعون قريشًا من اقتحامه والجو بارد والأكسية واهية حتى دخل البرد عظامهم، وزاد أن مد المنافقون رؤوسهم بلا خوف وهم يثيرون الإشاعات المغرضة المثبطة وكأنهم أيقنوا أن الهزيمة نازلة بالمسلمين لا محالة، فتارة يقولون: إن بيوتنا عورة، وتارة يبثون الخيبة والرعب في النفوس بقلة العدد وكثرة المشركين، والله تعالى مطلع على عباده الذين لجؤوا إليه بالدعاء والرجاء، وعلى نبيه الذي نادى ربه شاكيًا باكيًا يطلب عونه ونصره الذي وعده، وما يعلم جنود ربك إلا هو، فبعث الله ريحًا في ليالٍ شاتية شديدة البرد، فجعلت تزمجر وتصفر فقلبت القدور وأطفأت النيران وقطعت الحبال ومزقت الخيام.

 

وفي هذه الأثناء، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان ليلًا ليأتيه بخبرهم، وأوصاه ألا يحدث شيئًا حتى يعود بالخبر، وورد عن حذيفة قال: “استقبلنا – بمعنى استعرضنا – رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا رجلًا حتى مر عليَّ وما عليَّ جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي، فأتاني وأنا جاثٍ على ركبتي فقال: ((من هذا؟))، فقلت: حذيفة، قال: ((حذيفة!))، فتقاصرت إلى الأرض، فقلت: بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم، قال: ((قم))، فقمت، فقال: ((إنه كان في القوم خبر، فأتني بخبر القوم))، قال: وأنا من أشد القوم فزعًا وأشدهم قرًّا، فخرجت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته))، قال: فوالله ما خلق الله فزعًا ولا قرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد منه شيئًا، فلما وليت قال: ((يا حذيفة، لا تحدثن في القوم شيئًا حتى تأتيني))، فخرج وهو يرتجف من البرد فعبر إليهم واندس بينهم، فقام أبو سفيان وقال: يا معشر قريش، لينظر الرجل أمر جليسه – وكأنه أحس بخبرته القيادية أن غريبًا قد اندس بينهم – ولكن هذا لم يفت على حذيفة الذكي، فسرعان ما أمسك بيد من كان قربه وقال له: من أنت؟ قال: أنا فلان، فبدا بهذا التصرف وكأنه هو من القوم، فقال أبو سفيان: لقد هلك الخف والحافر، وأخلفتنا قريظة، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى بعيره وهو معقول فجلس عليه وضربه فقام على ثلاثة قوائم – وهذا من الفزع حيث لم يحل عقاله قبل أن يركبه – قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليَّ ألا أحدث شيئًا لقتلت أبا سفيان مستغلًّا هذه الفوضى، فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأخبره، وكان قائمًا يصلي في مرط – كساء اتقاء البرد – فأدخلني بين رجليه وطرح عليَّ طرف المرط، فلما سلم خبرته، وسمعَتْ غطفان بما فعلت قريش، فعادوا إلى ديارهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا))، ومن بعد الخندق كانت المبادرة للمسلمين إلى أن فتحت مكة.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى