اخبار وثقافة

ميرال الطحاوى: رواية “أيام الشمس المشرقة” عن عالم المهمشين فى المنفى

ثقافة أول اثنين:


قالت الكاتبة ميرال الطحاوى، إن رواية أيام الشمس المشرقة التى وصلت إلى القائمة القصيرة فى جائزة البوكر العالمية للرواية العربية، فى دورتها لعام 2023، ليست رواية عن عالم المهاجرين، بقدر ما هى رواية تتناول فرص البحث عن النجاة من البؤس والفقر.


وأشارت الكاتبة الدكتورة ميرال الطحاوى، خلال حوار أجرته معها جائزة البوكر العالمية للرواية العربية، في دورتها لعام 2023، أنها كانت في منزلها وقت الإعلان عن القائمة القصيرة للجائزة التي أعلنت مؤخرا، إذ كانت تحاول تجنب الانتظار، وتفادي القلق بالانشغال أو النوم.


تقول ميرال الطحاوى: كانت الساعة الثانية صباحا بتوقيت أريزونا، أغلقت كل وسائل التواصل الاجتماعي وتركت الهاتف وكنت أعرف أن صديقتي وناشرتي فاطمة البودي سوف تهاتفني في كلا الحالتين، وعندما سمعت رنين الهاتف استيقظت، ثم بدأت في تلقي رسائل التهنئة، كانت الرسائل الأولى من زملاء القائمة الطويلة أحمد الفخراني، مي التلمساني، أحمد عبد اللطيف، على التوالي، امتزجت فرحتي بهذا الشعور الجميل بالمحبة والامتنان.


وحول تناولها لأوضاع المهاجرين في أوطانهم الجديدة، أوضحت ميرال الطحاوى أن الشتات والمنفي تجربة مؤلمة في طبيعتها، ومفجرة لكل مشاعر الاغتراب الوجودي وقلق الهوية أو كما يقول أدوار سعيد عن المنفى دائما ما يراودني أثناء الكتابة:


“لا يبحث على الأحزان مصير مثل العيش في المنفى وكان الحكم بالنفي في العصور التي سبقت العصر الحديث عقوبة بالغة الشدة  فالنفي لا يقتصر معناه علي  قضاء سنوات في الشعاب هائما على وجهه بعيدا عن أسرته وعن الديار التي ألفها بل يعني إلى حد أن يصبح  منبوذا للأبد محروما على الدوام  من الإحساس بأنه في وطنه.”


وتابعت ميرال الطحاوى: صحيح أن قضية الهجرة غير الشرعية والشتات القسري أو الحروب والهجرات والنزوح، والشتات، والاضطهاد العرقي والصدام بين الثقافات هي موضوعات أزلية لم ولن تمل الروايات من اجترارها، مثلها مثل القضايا الإنسانية الكبرى التي تناولتها الكتابة الأدبية طويلا، خاصة في السنوات الأخيرة، وبعد أن  شهد العالم حركة هجرة ونزوح لم يشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، وصحيح أنني كتبت روايتي “بروكلين هايتس” ـ  التي كانت أيضا ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية منذ سنوات ـ عن الشتات،  وأزمة الهوية، والاغتراب، والصراع الثقافي والحضاري الناجم من تلك الهجرات، تلك التصدعات الوجودية التي تمر بها الإنسانية.


وأضافت ميرال الطحاوى: لكنني أعتقد أن روايتي “أيام الشمس المشرقة” ليست رواية عن المهاجرين، بل هي رواية عن فكرة النجاة والبحث عن الضفة الأخرى، عن البؤس والفقر والاستغلال الطبقي، عن البلاد التي تبدو خلابة فقط في الصور لكنها في الحقيقة مقبرة كبيرة لأحلام البسطاء.


وقالت ميرال الطحاوى: الرواية عن الشتات، عن عالم المهمشين في المنفى، عن المهاجرين الفقراء والذين يخضون الكثير من المغامرات في محاولة للنجاة، عن الذين يتسللون لتلك البلاد المشتهاة عادة بطرق غير شرعية ويعيشون في جيتوهات أو بلدات حدودية جبلية أو ساحلية، مثل تلك البلدة التي أكتب عنها أو ما أطلقت عليه مجازا بلاد “الشمس المشرقة” أو غيرها  من مدن النزوح، حيث تتحول الحياة اليومية في هذا المنفى الاختياري إلى محاولة متعسرة للنجاة من أشباح الماضى ثم الهرب من الواقع القاسي، البطولة في النص ليست للشخصيات التي أقدمها، السرد يتمحور حول هذا العالم وكيف يخلق عزلته ويعيش كهامش على أطراف المنتجعات الباذخة.


وترى ميرال الطحاوى أن الرواية إن صح التعبير عن الإقامة في الهامش، الإقامة في الهامش الثقافي والاجتماعي، عن محنة المهاجر الذي صار مغيبا وغائبا في أرض المحضن (الوطن)، ومهمش بحكم لونه وعرقه ولغته وثقافته في الوطن الاختياري الجديد وبالتالي يعيش اغترابا لا يمكن التآلف معه، اغترابا يولد الحنين الدائم إلى ماضٍ وأرض وثقافة ولغة وعالم لم يعد موجودا، وبالتالي فإن جوهر تلك التجربة هو البؤس، والحزن لا يمكن التغلب عليه.


وعن شخصيات الرواية المرسومة بعناية واستعمال نموذج مختلف عن السرد التقليدي، قالت ميرال الطحاوى: وصف الكثير من النقاد مثل الدكتور رشيد العناني والدكتور محمود عبد الشكور وغيرهم الرواية بأنها جدارية، وهو وصف دقيق، فالرواية لا تعتمد علي البنية التقليدية وتحاول أن تلتقط صورة بانورامية لتلك البلدة التي صارت مستنقعا للأحلام المهدرة، جدارية يحتل بعض شخوصها مساحة أوفر لكنها لا تكتمل إلا بوجود الجميع، المهمشين من كل لون وشكل، من كل خلفية عرقية، لصوص، وعمال هاربين، ومتسكعين حول الخليج، عالم متكامل لا يجمعه إلا المغامرة التي انتهت أو بدأت على أرصفة تلك البلدة التي يطلق عليها “الشمس المشرقة”.


أما عن تصوير حياة كلاب البحر، فأوضحت ميرال الطحاوى أن هناك أساطير كثيرة وربما معلومات علمية تجعل هجرة الكائنات مسألة فلسفية، ووجودية حاولت توظيفها بشكل ما لتلقي بظلالها على النص، وكيف تتفجر الرغبة في الهجرة عند كل الكائنات من نوازع غامضة،  فهجرة الطيور مازالت تثير الأسئلة المحيرة حول مساراتها، وهجرة أسماك السالمون ما زالت غامضة، ورحلة كلاب البحر أو حيوان الفقمة Seals، رحلة عجيبة أيضا، وبالغة الغرابة، ومليئة بالرموز، لقد  قرأت كثيرا عن هجرة الكائنات، بحثا عن إجابة لهذا السؤال البسيط، لماذا يهجر الإنسان محضنه الأول؟ ولماذا في نهاية رحلته يقتله الحنين لهذا المحض؟ وكيف يتشكل هذا الحنين لمسقط الرأس أو الوطن ويصبح هاجسا حتميا يرافق مشتهيات نهاية الحياة والذي تجسده رغبة معظم المغتربين بالدفن في بلدانهم أو أوطانهم الأم؟ علاقتي بكلاب البحر جاءت حين عشت لسنوات في بلدات على الشاطئ الغربي للولايات المتحدة، خاصة كاليفورنيا، وكان مشاهدة ومراقبة كلاب البحر على خليج مونتري أحد طقوسي اليومية، أجلس بالساعات لمراقبة لحظات المخاض، إرضاع الصغار على الرمال، ثم رؤية بعض جثثها نافقة يركلها الموج، تلك المشاهد دفعتني للقراءة حول  تلك الحيوانات الثديية ورحلتها الغرائبية شمالا وجنوبا، تلك الهجرة التي تشكل دورة من الدورات القسرية في حياة هذا الكائن والتي تتكرر بشكل مأساوي، تبدأ بأسراب الذكور التي تهاجر لتلتقي بالإناث على أحد الشواطئ للإخصاب، يخوض فيها الذكور حروبا دموية لتفوز بالأنثى، وصراعا يطلق عليها حروب المنازل، أي حرب تكوين أسرة، ثم تنسحب أسراب الذكور بعد الانتصار والفوز لتخوض هجرة جماعية مضادة تاركة وراءها الإناث اللاتي يخضن رحلة جماعية للهجرة بمفردهن بحثا عن الشواطئ الدافئة على حدود كاليفورنيا ليخضن تجربة الولادة والإرضاع وإطعام الجراء بل وتدريبهم على الصيد، باختصار تعيش تلك الكائنات حياتها في هجرات جماعية متتابعة، مليئة بالمعارك والجراح، بعد دورة حياة قصيرة أو طويلة تعود الأسراب المهاجرة للشاطئ ذاته الذي ولدت عليه لتموت في المكان ذاته الذي شهد مخاضها.


أما عن العلاقات بين معظم الشخصيات غير سوية، فقالت ميرال الطحاوى: في الحقيقة الكثير من النقاد أشادوا برسم شخصيات الرواية، الشاعر والناقد سيد محمود علي سبيل المثال قال إن شخصية “نعم الخباز” ستبقى طويلا في ذاكرة الرواية العربية، وهي شهادة أعتزّ بها وأعتبرها وساما على صدري، صديقتي الكاتبة منصورة عز الدين، قالت لي إن شخصيات الرواية لا يمكن نسيانها، وهي شهادة أخرى لم أحلم بها.


ورأت ميرال الطحاوى أن التجارب الأدبية بشكل عام لا تتشكل في إطار الشخصيات السوية، والحقيقة أنني لم أكن مشغولة بمدى سواء أو عدم سواد أبطالي أخلاقيا، لكنني كنت حريصة على إبراز إنسانيتهم بكل ما فيها من فجاجة، وعنف ولطف وبؤس، وبعيدا عن الأنماط التقليدية، لأن محاولة التعاطف وفهم دوافع الشخصيات تحتاج قدرا كبيرا من النضج النفسي الذي يؤهل الكاتب لقبول تلك الشخصيات بكل ضعفها ولؤمها وتشوهاتها الكثيرة، أردت  فقط حفر شخصيات يصعب نسيانها، يصعب تجاوزها، يصعب تكرارها، لأنها حقيقية تماما وهذا هو ما يطمح له كل كاتب.


كما رأت ميرال الطحاوى أنه لا توجد وصفة لخلق شخصية روائية ناجحة أو باقية في تاريخ الكتابة، يوجد فقط الإخلاص لفهم ورسم والقبض على تلك الشخصيات، لقد عشت مع تلك الشخصيات التي لا شك تشكلت بشكل غير تقليدي، وقاست الكثير قبل وبعد اغترابها، وتشوهاتها أعمق من أن تمحى بمجرد الهرب منها، رسمت نعم الخباز، ونجوى و ميمي دونج وسليم وأحمد الوكيل بحياد وتعاطف وأحيانا بسخرية، كل شخصية من تلك الشخصيات سواء الرئيسية أو الهامشية تمثل جزءا أساسيا في بنية النص، إنها جزء من تلك الجدارية التي لا تكتمل الا بالرتوش أو التفاصيل الإنسانية الدقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى