التاريخ الإسلامي

المبارزة


المبارزة

 

قبل القتال أرادت قريش أن تعرف قوة النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسلت عمير بن وهب فطاف بمعسكر النبي صلى الله عليه وسلم واستقل عددهم، فخاف أن يكون لهم كمين، فشرَّق وغرَّب، فلم يرَ شيئًا، فأخبر قريشًا بعددهم؛ ثلاثمائة أو يزيدون قليلًا، لكنه قال: يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح – الإبل التي تسحب الماء من البئر – يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة إلا سيوفهم، ألا ترونهم خرسًا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي، والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منا رجلًا، فإذا أصابوا منكم مثل عددهم، فما خير في العيش بعد ذلك، فارتؤووا رأيكم.

 

ثم أرسلوا أبا أسامة الجشمي، ففعل مثل الأول، ورأى أن القوم مستعدون للموت، وقام بعد ذلك صاحب الجمل الأحمر، وهو عتبة بن ربيعة، ونادى بالناس من قريش: يا قوم، أطيعوني ولا تقاتلوا هذا الرجل وأصحابه، واعصبوا هذا الأمر برأسي، واجعلوا جبنها بي؛ فإن منهم رجالًا قرابتهم قريبة، ولا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه فيورث ذلك بينهم شحناء وأضغانًا، ولن تخلصوا إلى قتلهم حتى يصيبوا منكم عددهم، مع أني لا آمن أن تكون الدائرة عليكم، وأنتم لا تطلبون إلا دم هذا الرجل والعير التي أصاب، وأنا أحتمل ذلك، وهو عليَّ يا قوم.. لا تردوا نصيحتي، ولا تسفهوا رأيي، فانبرى له أبو جهل يسفِّه رأيه، ويتهمه بالجبن، وأنه يكره أن يقتل، أو يقتل ابنه الذي هو مع المسلمين – وابنه هو أبو حذيفة.

 

وأصرَّ القوم على القتال؛ لأن أبا جهل يريد ذلك، ويعُدُّ نفسه سيدهم، ولم يدرِ أنه يسعى إلى حتفه، ثم تصافَّ الفريقان وأصبح القتال وشيكًا، وجاء الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم – وهو في العريش يدعو ربه – لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم – اقتربوا منكم – فارموهم، ولا تسلوا السيوف حتى يغشَوْكم – يختلطوا بكم – فقال أبو بكر: يا رسول الله، قد دنا القوم وقد نالوا منا، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أراه الله إياهم في منامه وهم قليل وهو يدعو الله أن ينصره، ولما تقاربوا أكثر خرج من بين المشركين الأسود بن عبدالأسد وأقسم أن يشرب من الحوض، وأن يهدمه، فاستقبله حمزة فضربه فأطار قدمه، فزحف حتى وقع في الحوض وشرب منه، ثم أجهز حمزة عليه وقتله، وهنا خرج عتبة وشيبة والوليد بن عتبة من بين صف المشركين لكي يرى أبو جهل بطولتهم وطلبوا المبارزة، فخرج لهم ثلاثة من الأنصار، قال عتبة: أخرجوا لنا أكفاءنا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبدالمطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث، وبدأت المبارزة، فقتل حمزة عتبة، وقتل علي الوليد، واختلف كل من عبيدة وشيبة ضربتين، أصاب كل منهم الآخر، ثم أجهز حمزة وعلي على شيبة، واحتملا عبيدة جريحًا، حيث توفي فيما بعد، وكان بعد هذا الالتحامُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة))، وصبر المسلمون في القتال، والتزموا بما عاهدوا الله ورسوله عليه، وأمد الله المسلمين بالملائكة، فثبتوا الذين آمنوا، وانجلت المعركة عن نصر مؤزَّر للمسلمين، وهزيمة منكرة للمشركين، فقُتل منهم سبعون، وأُسر سبعون، وكان معظم قتلى المشركين من رؤوس الضلال، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وزمعة بن الأسود، ونوفل بن خويلد، واستشهد مِن المسلمين أربعة عشر.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى