التاريخ الإسلامي

بيوت الحجر (مدائن صالح) المنحوتة في الجبال سكنية ومقابر في آن واحد


بيوت الحجر

(مدائن صالح) المنحوتة في الجبال سكنية ومقابر في آنٍ واحد

 

بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين؛ أما بعد:

فعلى غرار الجدل القائم بين مؤيدي سكنية بيوت الحِجْر (مدائن صالح)، وبين القائلين إنها مقابر نبطية، فإن المتأمل في تصاميم هيكلة هذه البيوت من الداخل والخارج يتضح له أنها صُمِّمت على أن تكون في البداية سكنية، ثم تكون لاحقًا مقابر لأصحابها، فتجد بها من الداخل دكات للجلوس، ورفوف متعددة الأحجام لوضع الحاجيات، وتلاحظ أيضًا أن حُلُوق الأبواب ومزاليج الأقفال من الداخل، وليست من الخارج، وتجد أيضًا لبعض هذه البيوت نوافذ للتهوية؛ مما يؤكد أنها مُعدَّة للسكن من هذه الناحية، ومن ناحية أخرى تجد في 30% منها مقابرَ، و70% منها بدون مقابر، وهذا يدل دلالة واضحة أنها معدة للسكن والقبور في آن واحد، فعندما يموت أحد أصحاب هذه البيوت يُنحت له قبرٌ داخل بيته، ويُحنَّط ويُوضَع فيه، إما لعقائد عندهم، أو لعادات اجتماعية، ويلحق به من يموت من أفراد عائلته فيما بعد، ثم يُغلَق هذا البيت يُكتَب على واجهته من الخارج في لوحة معدة مسبقًا ومبروزة: هذا قبر فلان بن فلان وعائلته، ولا يحق لأحد أن يدفن فيه من غيرهم، كما اتضح ذلك من خلال ترجمة هذه النقوش من قِبل المختصين، وكون 70% من هذه البيوت بدون قبور يؤكد أن أصحابها ماتوا فيها موتة جماعية، فلم يبقَ أحد ينحِت لهم قبورًا كعاداتهم، إما بهلاك جماعي أو بصيحة واحدة، كما ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في كتابه عنهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الحجر: 80 – 84]، وهم بلا شكٍّ الثموديون كما حددهم القرآن الكريم في الحجر بالذات، وكون الأنباط استوطنوا هذه المنطقة لاحقًا إن صحَّ ذلك، فلا علاقة لهم بهذه البيوت لا من قريب، ولا من بعيد، فنقشُ رقوش المكتوب على لافتة أحد هذه البيوت مؤرخٌ بسنة مائة وستين (160م)، وتاريخ نهاية تواجد الأنباط في هذه المنطقة كان سنة (109م) على يد الرومان؛ مما يؤكد أن تاريخ النقش ليس تاريخًا نبطيًّا؛ لعدم توافقه مع تاريخ عصر تواجدهم في هذه المنطقة، ولا تاريخًا ميلاديًّا أيضًا، بل هو تاريخ خاص بالثموديين قبل الميلاد بقرون، وكون لغة النقش وأسماء أشخاصه عربية، فإن الثموديين عرب قدماء جدًّا حسب كتب المؤرخين، ولهجة وحروف أبجديات الأنباط هي لهجة وأبجديات المتأخرين من الثموديين، هذا إذا ما كان الأنباط من سلالات الثموديين الناجين من الصيحة، والله تعالى أعلم.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى