التاريخ الإسلامي

جمال مشعل مقريزي القرن الواحد والعشرين


جمال مشعل مقريزي القرن الواحد والعشرين

 

علم الجغرافيا علمٌ نافعٌ وجامعٌ، ويُعتبَر من العلوم الضرورية لدراية التاريخ، والارتباطُ بينه وبين التاريخ وثيقٌ؛ فالأرض هي المسرح الذي حدثت عليه الوقائع التاريخية، ولا شك أن الجغرافي الكبير جمال مشعل ابن شربين الدقهلية أحد الشخصيات الثقافية العامة المُهِمَّة والمؤثرة في المشهد الثقافي المصري، وكان يمتاز بأنه إذا تحدَّث إليك لم يمكنْكَ من أن تسير معه كما تسير مع نفسك، وإنما يضطركَ إلى أن تُفكِّر وأن تجهد نفسَكَ في أن تَفهمَه وتُحِسَّه، فقد رحل عنَّا بجسده في يوليو من عام 2019م؛ ولكنه سيظل موجودًا بيننا بأعماله الأدبية العظيمة عبر الزمان والأجيال، وكان لزامًا علينا نحن أمانة مؤتمر الدقهلية الأدبي للدورة الحالية اختياره ليكون الشخصية العامة للمؤتمر في هذه الدورة، فهو كاتبٌ كبيرٌ كان لا يستطيع العيش بدون كتابه، وجغرافي ومؤرخ قدير، وصاحب بصمة حقيقية مشهود لها في المشهد الثقافي والأدبي، وقد ترك لنا عددًا كبيرًا من المؤلَّفات في الجغرافيا وأدب الأطفال وغيرهما، منها:

“موسوعة الأوائل (5 أجزاء).

موسوعة أسماء الناس (جزآن).

موسوعة أقوال الحكماء (مجلد).

موسوعة الطفل المسلم (مجلدان).

موسوعة الألغاز (مجلدان).

بالإضافة لموسوعة أوائل مصر والعمل الجغرافي والتاريخي العظيم موسوعة البلدان المصرية.

 

وقد كان عضوًا بنادي أدب شربين، وباتِّحاد كُتَّاب مصر، وحائزًا لجائزة الدولة التشجيعية عام 2012م في العلوم الاجتماعية، كما شارَكَ في مؤتمرات ثقافية وأدبية عديدة في تركيا والكويت والسعودية والعراق ولبنان والأردن.

 

خرج جمال مشعل من قرية كبيرة قابعة على الضفة الغربية لنهر النيل فرع دمياط تتميَّز بالحركة التجارية الواسعة والنشاط الاقتصادي الكبير، وتعرف هذه القرية بالضهرية، وهي قرية عريقة تتبع مركز شربين محافظة الدقهلية، وتُنسَب إلى الخليفة الفاطمي السابع الظاهر لإعزاز دين الله (1021 م – 1036م) ابن الخليفة الحاكم بأمر الله منصور ملك مصر، خرج منها باحثًا عن مادة تائهة وسط الأوراق القديمة والكُتُب المُكدَّسة والسنين المتراكمة في دوَّامات الجغرافية والتاريخ حاملًا مشاعل وهَّاجة من ماضٍ عريقٍ يستنطق الناس والأماكن، وفي حقيبته الكثير من مؤلَّفات مَنْ سبقوه في هذا الشأن، قاصدًا كل نواحي مصر؛ شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، عازمًا على إتمام هذه الموسوعة مهما كَلَّفَتْه، وقد كانت مُهِمَّةً صعبةً ومريرةً بالفعل، وبرغم ذلك كان مشعل مستمتعًا بها، ولم يكلَّ أويمَلَّ يومًا من البحث والتنقيب؛ فقد كان عاشقًا للبحث التاريخي، صبورًا فيه، لا تمنعه المصاعب والمتاعب، ولا تُوقِفُه الأزماتُ والعقبات عن مواصلة العمل، ولا تُرهِقُه ندرةُ المصادر والمراجع، فخرج مؤرِّخًا مستقلًّا بشخصيته، والحيادية وعدم الانحياز لطرف من الأطراف، وعدم تسليمه الكامل بكل ما يقرأ ويطَّلِع عليه من وثائق ومصادر؛ بل كان يُخضِع كل ذلك لميزانه النقدي الحسَّاس، فتجرَّد من العواطف والأهواء والميول الذاتية، وتميَّز باتِّساع الأُفُق العقلي وتَفتُّح البصيرة، والتجرُّد من الخرافات والأساطير التي تنتج أفكارًا خاطئة، وأنماطًا غير سليمة من التفكير.

 

وقد كنتُ شاهِدًا على ذلك المجهود الكبير الذي بذله مشعل في سبيل إنجاز وخروج موسوعته العريقة للنور (موسوعة البلدان المصرية) ومعاصرًا له، وذلك بحكم صداقتي له واهتمامي بالتوثيق لشربين وتوابعها من خلال مشروعي البحثي (ذاكرة شربين) الذي تحدَّث عنه كثيرًا، وأثنى عليه فى الإعلام، وأيضًا بحُكْم اصطحابه لي في الكثير من تنقُّلاته في البلاد المصرية؛ لتحقيق تاريخها وأسمائها ومواقعها ومصادرها المختلفة في كُتُب الجغرافيا والتاريخ والرحلات وزياراته العديدة للجمعية الجغرافية ودار الكتب المصرية ودار الوثائق، ومكتبة المتحف الزراعي بالقاهرة وغيرها الكثير والكثير، كما كان مُولِعًا باقتناء النوادر الجغرافية للبلاد المصرية، وكان يُنفِق عليها بسخاء في سبيل اقتنائها أو الاحتفاظ بنسخة مصوَّرة منها برغم الظروف الحياتيَّة القاسية التي كان يعيشها، وقِلَّة الإمكانيَّات المادية التي كان يُعانيها.

 

ففي موسوعته العريقة البلدان المصرية الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة ضمن سلسلة إبداعات التفرُّغ عام 2014م استكمل مشعل ما بدأه المقريزي والجبرتي وعلي مبارك باشا ومحمد رمزي بك، فقد برع فيها مشعل بحكم خبرته العملية ودرايته العلمية واطِّلاعه الواسع؛ فهو كاتِبٌ واسِعُ الاطِّلاع في مختلف المجالات بصفة عامة، وفي مجال اختصاصه بصفة خاصة، فقد كان ذا ثقافةٍ جغرافيةٍ تاريخيةٍ واسعةٍ، وكان لديه حِسٌّ سحريٌّ خاصٌّ بالمكان، فتَغَلْغَل في البلاد المصرية باحثًا ومُنقِّبًا ومُحقِّقًا حتى عرف أصول البلاد وتاريخها ومواقعها أو كاد وصار الحُجَّة الكبرى بين المهتمين بهذا الشأن، كما كان على اتِّصال بالعلماء والجغرافيين والمؤرِّخين ورجال الآثار المهتمِّين بجغرافية وتاريخ مصر في كل مكان؛ وبذلك جَمَع بين الدراسة والبحث والتحقيق العلمي، وبين الدراسة الحَقْليَّة بالإضافة لإيمانه العميق بأن المادة الجغرافية والتاريخية ليست دراسةً للتجربة فقط؛ بل كان يقوم بإعادة توثيقها والتأكُّد من صحَّتِها، فكان عليه أن يلجأ إلى السجِلَّات والمراجع والآثار الباقية والرِّوايات والمشاهدات والتحقُّق من صحَّتِها وصدق مضمونها، كما تميَّزت الموسوعة بمهارة مشعل في التصنيف، وأقصد به تصنيف المعلومات وتنظيمها وتقويمها، وهي مهارةٌ أساسيةٌ لبناء الإطار المرجعي المعرفي له، وتميَّزت أيضًا بالمهارة المقارنة، وأعني بها مقارنته بين الأفكار والأحداث وَفْق أوجه الشبه والاختلاف، والبحث عن نقاط الاختلاف والاتِّفاق بين مَنْ سَبَقُوه في هذا المجال وأيضًا مهارة التلخيص، وهي قدرته على التوصُّل إلى الأفكار العامَّة أو الرئيسة، والتعبير عنها بإيجاز ووضوح، وهي عملية تنطوي على قراءة ما بين السطور وتجريد وتنقيح وربط النقاط البارزة.

 

وبذلك أكسب موسوعته المصداقيَّة النادرة والطرافة التاريخية، فصارت عملًا موسوعيًّا تسجيليًّا وصفيًّا رائعًا لجميع البلاد المصرية بالإضافة إلى العِزَب والكُفُور والنُّجُوع التي قد يُهمِلُها البعض وهم بصدد التأريخ والتسجيل لمثل هذا الموضوع، ولقد اهتمَّت الموسوعة بتاريخ وجغرافية ومساحة المكان وما طرأ عليه من تطوُّر إداري في المراحل التاريخية المختلفة، وتعود الأهمية القصوى لهذه الموسوعة إلى استكمال مشعل لمشوار كبير بدأه أقرانُه من الجغرافيين الأوائل، وكان لا بُدَّ من استكماله وضرورة تسجيله وإثباته؛ لتكون هذه الموسوعة نِبْراسًا يعرف الأجيال الجديدة بمصر المكان والمكانة؛ مما يؤدي إلى تعميق الانتماء والولاء لمصر في عصر العولمة، وما يُسمَّى بالسماوات المفتوحة.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى