Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
التاريخ الإسلامي

ملامح من حياة العالم اللغوي الدكتور فاضل صالح السامرائي


ملامح من حياة العالم اللغوي

الدكتور فاضل صالح السامرائي

الدكتور فاضل صالح السامرائي هو واحد من علماء اللغة العربية المعاصرين الذين تبحَّروا في علوم اللغة، وقد اختار أن يكون همه الأكبر أن يضيفَ إلى ما قدَّمه السابقون من خدمة لكتاب الله سبحانه، وأن يستكشف ما فيه من أسرار بيانية، وقد قضى وقتًا طويلًا في البحث والتفكير في أسرار الإعجاز اللغوي في القرآن الكريم، ووفَّقه الله سبحانه إلى أن يُوصل ما رآه في القرآن الكريم من أسرار لغوية معجزة إلى أعداد كبيرة من المتخصصين ومن غير المتخصصين، سواء عبر مؤلفاته المتعددة، أو عبر برنامج “لمسات بيانية” الذي كان يذاع على قناة الشارقة الفضائية، وحاز قَبولَ أعدادٍ كبيرة من الناس، ولعل من أسباب ذلك القبول ـ إضافة إلى سعة علم الرجل ـ عمق رؤاه واعتماده على إقناع العقول بالأدلة والشواهد، وعرض القواعد واستقصاء الأمثلة، والدقة في إبراز ما وراء اختيار الكلمات وتراكيب العبارات من أسرار معجزة، مع سهولة الطرح وسلاسته، ومع الإيجاز الذي يصيب به الهدف ويدرك القصد، فقد كان السامرائي ـ على حد تعبير أحد الباحثين “مشدودًا بقوة نحو الغرض المقصدي الذي كان يحرِّکه في دراسته وتفسيره، فقد كان يسعى من دراسته هذه، وتحليله البياني إلى تعميق الصلة بالكتاب العزيز، وتقوية الإيمان بإعجازه بالدليل العلمي القاطع لا بالاعتقاد المجرد”[1].

 

الرحلة من الشك إلى اليقين:

في كتابه “نبوة محمد من الشك إلى اليقين”، وهو أقرب مؤلفاته إلى قلبه، كما قال في أحد حواراته – يبين الدكتور فاضل السامرائي أنه عاش مرحلة من الشك في وجود الخالق سيطرت على روحه وأرقته وأرهقَته، واستغرقت كيانه لدرجة أنه كان يظن أنه ليس على وجه الأرض رجل مؤمن، وهو يصف هذه المعاناة قائلًا: “وقد كانت مسألة الإيمان بالله تبرِّحني، وكان الهم يسيطر على نفسي وقلبي في الليل والنهار في النوم واليقظة، ولا أبالغ إذا ما قلت: إن هذه المسألة كانت تقطع علي النوم، وكثيرًا ما كنت وأنا أسير في الطريق لا ألتفت إلى من يمر بي أو يسلم علي، وكثيرًا ما يمسك بي صديق، فيقول: أين أنت يا فلان؟! فأستيقظ وأنا سائر وقد كنت غارقًا في تفكير عميق”[2].

 

لكنَّ رجلًا له همة الدكتور السامرائي وعقليته لا يرضخ لهذه الحالة ولا يستسلم لها، وإنما بدأ في القراءة المتأنية ينتقل من كتاب إلى كتاب، لا ينثني عزمه عن مواصلة البحث والتمحيص، إلى أن وصل إلى تلك اللحظة المتلألئة بالأنوار والفياضة بالسعادة؛ حيث امتلأت ذاته بالرضا النفسي، وتغيرت صورة العالم من حوله، إنها لحظة الإيمان التي يصفها قائلًا: “وما زلت والله أذكر (يوم الإيمان)، فو الله ما وجدت ساعة في حياتي أحلى من ساعة الإيمان، ولا يومًا أضوأ ولا أزهر من يوم الإيمان.

 

الوجود حولي كله تغير: الطير والشجر، والنهر والحجر، والكوكب والشمس القمر، أحسست تجاوبًا عميقًا وصلة وثيقة بيني وبين هذا الوجود، لِمَ كنت منقطعًا عن ركب الوجود؟”[3].

ورحلة الدكتور السامرائي إلى الإيمان تنقسم إلى مرحلتين، الأولى: كان الوصول فيها إلى الإيمان بأن لهذا الكون خالقًا صنَعه، فأبدع صنعه، ثم بدأت بعد ذلك رحلة الإيمان بنبوة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالكتاب الذي أُنزل إليه، وقد نبع الإيمان بوجود الله سبحانه من أمرين أولهما: قراءاته عن عجائب مخلوقات الله التي يبدو الحديث معها عن المصادفة نوعًا من الهذيان، وقد عرض للكثير مما قرأه في كتابيه “نداء الروح” و”نبوة محمد بين الشك واليقين”، وكان أول ما لفت انتباهه وأضاء الطريق أمامه هو قراءته عن ذلك النوع من البعوض الذي يبيض في الأنهار والبرك، ويضغط على جسمه الذي يحتوي على فتحات يخرج منها سائل يجف مثل خيوط العنكبوت، فتصنع منها قوارب وزوارق صغيرة، ثم تموت الأمهات وتفقس اليرقات وتكبُر، وعندما تتكاثر تفعل نفس الفعل الذي قامت به أمهاتها من قبلُ، ومن هنا بدأت الأسئلة تتوالى في ذهن الدكتور السامرائي: من الذي وضع المادة الصالحة لصنع القوارب؟ ومن علمها صنع القوارب؟ والسؤال الأهم من علمها تفعل مثل الأمهات وهي لم تر أمها؟

 

الأمر الثاني الذي أيقظ روحه الحائر إلى وجود الله هي تلك الرؤى المنامية التي وصل عددها إلى المئات، وكانت تبدو رسائلَ من عوالم غيبية تقف أمامها العقول المادية عاجزة، وقد كان بعض هذه الرؤى تفسيرًا لأمور غامضة صادفته في يقظته، وبعضها تحقق كما هو، وبعضها الآخر كان رسائل من شخصيات توفاها الله، وقد ذكر الدكتور السامرائي الكثير من الرؤى التي رآها هو نفسه أو التي كانت لبعض أقاربه ومعارفه.

 

بعد أن تيقَّن الدكتور السامرائي بوجود الخالق عبر أدلة مادية تتمثل في مخلوقات الله التي يكشف تأمُّلها أنه سبحانه أبدعها بدقة بالغة، وخلق كل مكوناتها لحكمة وغاية جليلة، وبأدلة روحية تمثلت في تلك الرؤى المنامية، بدأت بعد ذلك رحلته إلى الإيمان بالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبالكتاب الذي أُنزل عليه، وبدأت خطواته بتأمل القرآن الكريم الذي كان يرفضه أولًا، وكانت المسألة الأولى التي جذبته وبدأ بعدها يقرأ القرآن كله ما ذكره الشيخ رشيد رضا في كتاب “الوحي المحمدي” في قوله تعالى: ﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ [الروم: 1 – 4]، والعقل ـ كما يقول الشيخ رشيد رضا ـ: “يحكم بأن مثل محمد في سمو إدراكه المتفق عليه، لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على الفرس في مدة بضع سنين، لا من قبل الرأي ولا من الوحى النفسي المستمد من الأخبار غير الموثوق بها”[4]، وقد نظر الدكتور إلى وعود الله لرسوله في كتابه التي تحققت جميعًا، وإلى لغة التحدي اليقينية التي كان يخاطب بها المخالفين، ومما جذبه ـ مثلًا ـ قول الله تعالى في حق الوليد بن المغيرة في سورة المدثر: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [المدثر: 11 – 16]، فالله عز وجل لم يزده أبدًا في ماله وولده بعد نزول هذه الآية، ولأن الأمر بيد الله فإن الوليد مات على الكفر. كذلك مما جذبه أيضًا مسائل الإعجاز العلمي والحقائق الثابتة التي ذكرها القرآن؛ مثل مراحل تكوين الجنين، وضيق التنفس في السماء هذا الأمر الذي لم يعرف إلا بعد اختراع الطائرات والبالونات، وقد ذكره القرآن الكريم في سورة الأنعام: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: 125]، وغير ذلك من الحقائق العلمية التي ذكرها القرآن الكريم؛ كما درس الدكتور السامرائي القصص القرآني بعناية شديدة، وذكر في كتابه “نبوة محمد من الشك إلى اليقين” تفاصيل ومقارنات ومعلومات شيقة تُظهر عظمة كتاب الله، وقد عرج بعد ذلك إلى دراسة الحديث، ورأى كثرة ما في أحاديث النبي في الصحيح من أحاديث تتكلم عن أحداث تقع في المستقبل، مثل إخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن النصر والفتوحات، وهلاك كسرى وقيصر، وإخباره بخاتمة طائفة من الناس، أو إخباره بأشياء تقع في أماكن بعيدة؛ مثل وفاة النجاشي، وما حدث للمسلمين في مؤته، وبما فتح المسلمون من البلاد وغير ذلك، إضافة إلى ما حدث للنبي من معجزات وموافقات، ولم يكتف الدكتور السامرائي بذلك، بل تحدث في كتابه “نبوة محمد من الشك إلى اليقين” عن قراءاته في الكتب السماوية القديمة، وذكر ما تعرضت له من تحريفات مقارنًا بين نسخها المختلفة، وما فيها من بشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

 

دعوات عند الكعبة:

حكي الدكتور فاضل صالح السامرائي في بعض لقاءاته قائلًا: “في عام 1968 ذهبت إلى بيت الله الحرام معتمرًا، فذهبت إلى بئر زمزم وشربت منه، ودعوت من الله أن يعطيني علمًا ينتفع به الناس، بعدها ذهبت أطوف حول الكعبة، وقمت بالتعلق بأستارها ودعوت ربي أن يعطيني العلم والعمل به، وأن أنفع الناس بذلك العلم، ثم ذهبت في السنة التي تلتها حاجًّا، وكررت ما قمت به عندما كنت معتمرًا بكل تفاصيله، وأحمد الله على عطائه وجوده وكرمه”[5]، وقد استجاب الله سبحانه لدعواته، فأخرج بعد ذلك تلك الكتب التي ننهل من مَعينها، ونستمتع بما فيها من إبراز لجوانب مبهرة من الإعجاز البياني لكتاب الله، أو بيان لما وراء تراكيب الجمل العربية، ودلالات المفردات والفروق اللغوية، وذلك مثل “بلاغة الكلمة في التعبير القرآن”، “لمسات بيانية في نصوص من التنزيل”، “على طريق التفسير البياني”، “معاني النحو” وغيرها، ويبدو أن قدوة الدكتور في ذلك كان العالم اللغوي الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي يقال إنه: “دعا بمكة أن يُرزق علمًا لم يسبقه أحد إليه ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجة، ففتح عليه بعلم العروض”[6]

 

فاضل السامرائي شاعرًا:

مر الدكتور فاضل السامرائي بتجربة كتابة الشعر، وقد استمر فيها عشر سنوات، وتوقف عن كتابته عام 1964م، وقال في لقاء له: إنه لا يصلح للشعر، وإن شعر العلماء يكون من باب الرصف، لكن الدكتور عاد لكتابة الشعر مرة أخرى وكتب بعض القصائد، وإن كان لنا أن نخالف الدكتور في رأي فهو أن شعره من باب الرصف، بل إن فيه من العاطفة الجياشة والقوة التعبيرية القادرة على توصيل المشاعر ونقل الإحساس بالحالة الشعورية التي يعايشها ما يبعده عن هذا الوصف، وقد نقل بعض شعره الدكتور بهجت الحديثي في كتاب: “القصيدة الإسلامية وشعراؤها في العراق”، وتبدو العاطفة الدينية مسيطرة بقوة على النصوص القليلة المنشورة له، ومن ذلك قصيدته “رباه” التي كتبها في رحلته للحج:

 

وعلنا نلاحظ في الأبيات الإحساسَ الصادق والنية المخلصة التي لعلها كانت سببًا في ما يمكن أن نطلق عليه الفتوحات اللغوية، وهيَّأت النفوس بشغفٍ للاستماع والقراءة له، وأختم هنا بقوله عن القرآن الكريم: “إن هذا الكتاب يمنحُ مَنْ نظر فيه وتدبَّره خزائنَ بغير حساب، ويفتح الله عليه من ألطافه ما يَجِلُّ عن الوصف، فلا تُضيِّع هذه الصفقة الرابحة، وإلا فأنت والله مغبون”[7].


[1] د.اليزيد بلعمش: الدراسة البيانية عند الدكتور فاضل صالح السامرائي: سمات ومرتكزات، مجلة الآداب والحضارة الإسلامية، جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية ـ قسطنطينة، الجزائرـ العدد20 شوال 1438.

[2] فاضل صالح السامرائي: نبوة محمد من الشك إلى اليقين، بغداد: مكتبة القدس ص6.

[4] محمد رشيد رضا: الوحي المحمدي، بيروت: دار الكتب العلمية1426هـ ـ 2005م، ص83.

[5] لقاء مع الدكتور فاضل صالح السامرائي على موقع مركز النور للدراسات.

[6] ابن خلكان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، بيروت: دار صادر، ج2، ص244.

[7] فاضل صالح السامرائي: التعبير القرآني، عمان: دار عمار1998، ص20.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى