التاريخ الإسلامي

حول كتاب مصابيح السنة للبغوي


حول كتاب “مصابيح السُّنَّة للبغوي”

 

البَغَويُّ:

هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد المعروف بالفَرَّاء (كان أبوه يعمل الفراء ويبيعها، وهي جمع فَرْو الجلود تُدبغ وتُخاط وتُلبَس)، البَغَوَيُّ (نسبة على غير قياس إلى بلدة يُقال لها (بَغْشُوْر)، ويُقال نسبة إلى (بَغْ أو باغ) قرية من بلاد خراسان بين مَرْو (قرب ماري الحالية تركمانستان) وهِرات (أفغانستان الحالية).

 

لَقَبُه محيي السُّنَّة وركن الدين، فقيه شافعيٌّ ومُفسِّر وحُجَّة في الحديث ومن أصحاب المُصَنَّفات، قال السيوطي في طبقات الحُفَّاظ: (وبُورك له في تَصَانِيفه، لقَصْده الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيِّين، ذا تعبُّدٍ ونُسُكٍ، وقناعة باليسير)، وسمَّاه كذلك الحسين بن محمد بن مسعود.

 

وُلِد البَغَوَيُّ في جُمادى الأولى سنة 433 هـ، أمَّا الزركلي[1] فأشار في الأعلام إلى أنه وُلِد سنة 436 هـ، وقد انتقل من موطن رأسه (بغ) إلى (مَرْو الروذ)، حيث كان عمره سبعة وعشرين عامًا، فأقام بها واتخذها وطنًا ثانيًا له، وتَفَقَّه فيها على شيخ الشافعية القاضي أبي علي الحسين بن محمد المَرْوَرُّوْذِيِّ، صاحب ” التعليقة “، وغيره، ولم يغادر هذه المدينة حتى تُوفي بها بعد أن نَيَّف[2] على الثمانين في شوال 516 هـ / ديسمبر 1122 م[3]، وهو المرجح، وتقول روايات أخرى[4]: إن وفاته كانت في شوال عام 510 هـ / فبراير 1117م.

 

من مصنفاته: التهذيب في فقه الشافعية، وشرح السُّنَّة في الحديث، ومعالم التنزيل في التفسير، ومصابيح السُّنَّة، والجمع بين الصحيحين و(الأنوار في شمائل النبي المختار).

 

وللبغوي مجموعة من الفتاوى لم تصِل إلينا، ضمنها فتوى شيخه.

 

وقد كتب أيضًا موجزًا في الفقه سمَّاه (التهذيب في الفروع يمكن مراجعة فهرس الكتبخانة المصرية (وتُعرَف حاليًّا باسم دار الكتب والوثائق القومية)، ج3 ص 212.

 

وطُبِع تفسيره المُسمَّى (معالم التنزيل) على الحجر[5] بفارس في 4 مجلدات ولم يُذكَر مكان الطبع أو تاريخه، وطُبِع أيضًا في بومباي في مجلدين عام 1309 هـ /1891 م[6]، وكان نصيبه الرَّوَاج والانتشار؛ لما يتميَّز بأنه تفسير متوسط، وهو بسيط ليس بالطويل المملِّ، ولا بالمختصر المخل الذي لا تفهَم بعد قراءته شيئًا.

 

وجمع البغوي الأحاديث النبوية كلها في كتابه (شرح السُّنَّة).

 

وترجع شهرة البَغَويِّ في العالم الإسلامي إلى مُصَنفه في الحديث المعروف بـ (مصابيح السُّنَّة)؛ وقد جمعه من كتب السُّنَّة السبعة الصحيحة، محذوفة الأسانيد معتمدًا على نقل الأئمة، وبَوَّبَه على أبواب، وقَسَّم أحاديث الكتاب في كل باب إلى قسمين: صِحَاح وحِسان، ثم قال في الحِسان: “وأكثرُها صِحَاح بنقل العدل من العدل، غير أنها لم تبلغ غاية شرط الشيخين في عُلُوِّ الدرجة من صحة الإسناد؛ إذ أكثر الأحكام بثبوتها بطريق حسن، وما كان فيها ضعيفًا أو غريبًا أشرت إليه”، ويُفْهَم من هذا أنه لم يجعل قِسْمًا خاصًّا للغريب والضعيف؛ بل هو داخل قِسم الحِسان عنده، وأن الغَرَابة والضعف لَيْسَا إلى الدرجة التي تمنع الأَخْذ بما ذكره في الحِسان.

 

وهذا التقسيم للبغوي اصطلاح خاص به، ليس موافقًا لمصطلح أهل الحديث؛ بل هو اصطلاح غير صواب؛ لأنه يخلط الأمر على القارئ فإنه أخذ كثيرًا من الحِسان من كتب السنة الثلاث؛ وهي: أبو داود والترمذي والنسائي أحاديث صحيحة جدًّا لا تَقِلُّ في الصِّحة عن درجة ما اتفق عليه البخاري ومسلم، وقد انتقد كثير من المتقدمين صنيع البغوي هذا وأبانوا [7]عن خطئه، وإن كان اصطلاحًا خاصًّا به، وطُبِع هذا المُصَنَّف بالقاهرة عام 1294 هـ / 1877 م في مجلدين، ثم طُبِع عام 1318 هـ / 1900 م[8].

 

وجاء محمد بن عبدالله الخطيب العمري التبريزي ورتَّب مُصَنَّف (مصابيح السُّنَّة) ترتيبًا جديدًا، وذكر اسم الصحابي الراوي للحديث، وقَسَّم الحديث في كل باب إلى ثلاث طبقات: صحيحةأخذها من البخاري ومسلم، وحسنة أخذها من السُّنَن، وغريبة وضعيفة؛ وسَمَّاه (مشكاة المصابيح)، وأَتَمَّه عام 737 هـ / 1336 م، وهو الآن كثير الذيوع لشُموله وسهولة ترتيبه؛ إذ إنه يَمُدُّ المسلم قليل الحظ من العلم بمجاميع الحديث القويمة[9] مُتَحَاشِيًا الإسناد الكثير المٌتْعِب مع توخِّي الإرشاد وتجنُّب التعالم[10]، وطُبِع هذا الكتاب على الحجر عدة مرات في دلهي وبومباي، وطُبِع في بطرسبرج (في روسيا حاليًّا)عام 1898 م في مجلدين، وفي قازان (روسيا) عام 1909 م، وتُرْجِم إلى الإِنجليزية في كلكتة بالهند عام 1809م[11].

 

ونذكر من شروح هذا الكتاب شرح ابن حجر الهيتمي المُتوفى عام ٩٧٤ هـ / 1566م – وسَمَّاه (فتح الإله في شرح المشكاة)، في مجلد واحد، وهو محفوظ بدار الكتب المصرية (برقم 345 حديث)، ولم بُطبَع قط هذا الكتاب فيما نعلم لا بمصر ولا في غيرها.

 

وقد ذكر المستشرق الألماني كارل بروكلمان (CarlBrockelmann،) أن كتاب شرح ابن حجر الهيتمي مطبوع بالقاهرة عام 1309 هـ / 1891 م في خمسة مجلدات، وهذا خطأ؛ فالمطبوع هو كتاب (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) تأليف العلامة ملا علي القاري (علي بن سلطان محمد، القارئ الهروي) المكي المُتوفى بمكة عام ١٠١٤ هـ / 1606 م، وهو شرح نفيس معروف، وقد أدرك بروكلمان هذا الخطأ فأصلحه في الملحق الأخير لكتابه (في تاريخ الأدب العربي)، وقد أطلعني عليه بعض الإخوان العارفين باللغة الألمانية.

 

وشرحه بالفارسية عبدالحق الدهلوي المُتوفى عام 1052 هـ / 1642 م، وسمَّاه (لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح)، وطُبِع في كلكتة وشسورة عام 1251 هـ / 1835 م، وعام 1259 هـ / 1843 م.

 

وألَّف التبريزي (كتاب أسماء رجال المشكاة) وهو تراجم للرجال المذكورين في المشكاة، وأتمَّه في العشرين من شهر رجب سنة 740 هـ / 1340 م.

 

المصادر:

1- ابن خَلِّكان: وفيات الأعيان، طبعة بولاق، طبعة وستنفلد 1299 هـ / 1881 م.

2- السبكي: طبقات الشافعية، طبعة القاهرة عام 1324 هـ / 1906م -ج 4، ص 214.

3- السيوطي: طبقات المفسرين، طبعة Moursinge ، ص 12، رقم 35.

4- يوسف إليان سركيس: معجم المطبوعات العربية والمعربة.


[1] الأعلام للزركلي، ج 2، ص 33.

[2] نَيَّف: زائدٌ على العَقْد من واحدٍ إلى ثلاثة، وما كان من ثلاثة إلى تسعة فهو بِضعٌ.

[3] تهذيب ابن عساكر، جـ 4، ص 345, ودائرة المعارف ج 4، ص 27, وفهرس الكتبخانة ج1، ص 357.

[4] ومنها وفيات الأعلام، ج 1، ص 142.

[5] الطباعة على الحجر: هي طباعة أولية مفادها أن تُرسَم الصورة أو الكلمات على الحجر بحبر دُهني أولًا ثم كبسها على الورق بحجر أملس مستَوٍ ويرطب الحجر بالماء، فإذا مرت عليه الأسطوانة المدهونة حبرًا استمدت الكتابة من الحجر.

[6] ذكر يوسف إليان سركيس الدمشقي في كتابه (معجم المطبوعات العربية والمعربة) ص 573 أنه طُبِع على الحجر ببومباي عام 1296 هـ / 1878 م.

[7] أبان الأمر: بان، ظهر واتَّضَح.

[8] معجم المطبوعات العربية والمعربة، ص 573.

[9] تقوَّم العودُ: اعتدل وزال عوجُه.

[10] التعالم: هو ادِّعاء الشخص أنه عالم وهو في الحقيقة ليس بعالم.

[11] معجم المطبوعات العربية والمعربة، ص 627.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى