التاريخ الإسلامي

الوليد بن عبد الملك


الوليد بن عبد الملك

 

المعروف عن العصر الأموي أنه عصرٌ أقرب إلى روح البادية، وهذا ما يظنه ابن خلدون، وقد يكون ذلك صحيحًا عن الجيل الثاني، أما الواقع الذي أخذ يظهر شيئًا فشيئًا في التاريخ؛ فهو أن الأمويين في الجيل الثالث قاموا بدور رائع في خدمة المدنِيَّة، على أن الزهر الذي زرعوه لم يتفتق كل التَّفَتُّقِ في عصرهم، وظهر تفتُّقه في العصر العباسي، فاقتطفه العباسيون، فظن الناس أن العباسيين هم الذين وضعوا أصول الحضارة، أما الواقع، فإن الأمويين هم الذين زرعوا تلك المدنية ثم تركوا لغيرهم حصادها، وقد عرفوا كيف يغرسون بذور هذه المدنية، وكيف ينشئون ذلك الزرع، وبلغ الزرع مداه، واقتطفه العباسيون في أول دولتهم.

 

والجيل الذي نتكلم عنه يبدأ عام 80هـ وينتهي حوالي عام 120هـ، وقد كان فيه في سدة الحكم الأموي: الوليد بن عبدالملك، وسليمان بن عبدالملك، وعمر بن عبدالعزيز، ويزيد بن عبدالملك، وهشام بن عبدالملك، وكلهم إخوة وأبناء عمٍّ؛ أي إنهم من جيل واحد، وكان عبدالملك هو الذي بدأ هذه النهضة، ودفع عجلة ذلك التقدم بوضعه أسس الدولة الأموية، وبتعريبه لها.

 

قام الوليد بما عليه خير قيام، فكان يريد أن يعيد للإسلام مجده، فاتخذ لذلك وسائلَ؛ منها الفتوح لنشر الإسلام وإذاعته، ومنها العمارة والبناء والإنشاء.

 

وأول ما فكر فيه أن يجعل دمشق عاصمةً حقيقية تهفو إليها الأنفس، عاصمة للإسلام، بل عاصمة للدنيا، فبنى فيها المسجد الأموي الجامع.

 

أنفق الوليد على المسجد الأموي خمسين صندوقًا من الذهب، وقيل: إنه أنفق خراج سبع سنين، وتهامس الناس أنه أنفق مال الأمة جميعًا، فأجابهم بأنه لا يزال بين يديه في بيت المال خراج عشر سنين، وجمع له عشرة آلاف عامل، واتبع شكل البناء بالأقواس، والأعمدة، والقبب، والأروقة، والزخرف طرازَ الأبنية البيزنطية، لكن مخطط المسجد إسلاميٌّ، وجعل سقف المسجد من الرصاص، وحُلِّيَ بالجواهر، وطُلِيَ الذهب على حيطان المسجد، ووضعت الفُسَيْفِساء على أعمدة المسجد، حتى بدا المسجد وهو يتلألأ من الذهب، وكأنه شعلة من نار متوقدة، وأصبح في دمشق معجزة من معجزات الفن المعماري بالعالم.

 

ولم يقتصر الوليد على المسجد الأموي، بل كتب إلى ولاته أن يوسعوا المساجد، ووسع بناء المسجد النبوي، وبنى المسجد الأقصى في القدس، وكان والده قد بنى مسجد الصخرة.

 

وعمد الوليد إلى تحسين حال العاجزين، فأنشأ في دمشق بيماريستانًا للجذامى، ووضع مع كل أعمى قائدًا يقوده، ووضع لكل مقعد خادمًا يخدمه، وأطلق الأموال للفقراء وحسَّن أحوال الناس.

 

واهتم الوليد بالفقراء، فمنع التسول منعًا باتًّا، وقال: إن في بيت مال المسلمين ما يكفيهم، وأطلق لهم المال منه، ونشط الاقتصاد، فأصلح الأراضي وأرسل إليه الحجَّاج البقر الوحشي الهندي لتغذية تلك الأراضي بالسماد، ولتطهيرها من الأعشاب الطفيلية.

 

قال السيوطي عنه: “أقام الجهاد في أيامه، وفُتحت في خلافته فتوحات عظيمة، وكان مع ذلك يختن الأيتام، ويرتب لهم المؤدبين، ويرتب للزَّمْني من يخدمهم، وللأضراء من يقودهم، وعمر المسجد النبوي ووسعه، ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء، وحرَّم عليهم سؤال الناس، وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتم ضبط”.

 

وجعل الحكم عربيًّا إسلاميًّا خالصًا، فاستبعد من الإدارة غير العرب الذين كانوا عليها، كعائلة سرجون بن منصور.

 

وفي سياسة الفتوح اختطَّ سياسة أن تسير الجيوش في كل مكان، وهذه سياسة خطيرة، فالمعروف في الحروب أن المحارب يجب ألَّا يفتح عدة جبهات في وقت واحد، لكن الإسلام كان يحمل سر نجاح هذه الفتوح، ونشاط الفاتحين كان قويًّا جدًّا يبهر الخصوم، ويجعلهم يلقون السلاح.

 

ولنتصور امتداد الفتوح؛ إنها كانت متسعة الرقعة بشكل لا يقارب عدد الفاتحين، فالفتوح في عهد الوليد اتجهت نحو السِّند، ونحو ما وراء النهر، واتجهت في شمال الشام نحو القفقاس وأرمينية وبلاد الروم، واتجهت جحافل المسلمين نحو بلاد المغرب ومنها إلى الأندلس، فكأن المسلمين كانوا لا يقصدون ألَّا يقفوا بفتوحهم، إلا حيث تعوقهم صحراء، أو بحر، أو مانع طبيعي.

 

والواقع أن معجزة الفتوح عادت مرة أخرى إلى الظهور في عصر الوليد، بعد أن انقطعت جيلًا من الناس.

 

وأول من منع من ندائه باسمه: الوليد بن عبدالملك.

قال الشعبي: “كان أبواه يترفانه فشبَّ بلا أدب”.

 

قال روح بن زنباع: “دخلت يومًا على عبدالملك، وهو مهموم، فقال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب فلم أجده، فقلت: أين أنت من الوليد؟ قال: إنه لا يحسن النحو، فسمع ذلك الوليد فقام من ساعته، وجمع أصحاب النحو، وجلس معهم في بيت ستة أشهر، ثم خرج وهو أجهل مما كان، فقال عبدالملك: أما إنه قد أعذر”.

 

وقال أبو الزناد: “كان الوليد لحانًا، قال على منبر المسجد النبوي: يا أهلُ المدينة”.

 

وقال أبو عكرمة الضبي: “قرأ الوليد على المنبر: يا ليتُها كانت القاضية، وتحت المنبر عمر بن عبدالعزيز، وسليمان بن عبدالملك، فقال سليمان: وددتها والله”.

 

قال السيوطي: “وكان الوليد جبارًا ظالمًا، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال: قال عمر بن عبدالعزيز – وكان الوليد في الشام، والحجَّاج بالعراق، وعثمان بن جبارة بالحجاز، وقرة بن شريك بمصر: امتلأت الأرض والله جَورًا”.

 

المصادر:

الدولة الأموية يوسف العش.

تاريخ الخلفاء للسيوطي.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى