Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
التاريخ الإسلامي

السمنة الثقافية (التخمة الفكرية)


السمنة الثقافية (التُّخَمة الفكرية)

أظنني لا أحتاج كثيرًا إلى أن أشرح معنى السمنة، فهي الداءُ الأسرعُ انتشارًا في العالم، والأكثرُ سطوةً وتأثيرًا في حياةِ كثيرٍ من البشر، وهي الوزنُ الزائدُ الذي يحمله الإنسانُ طول حياته، وهي ناتجة عن حياة صحيَّة خاطئة متراكبة من الأكل الزائد عن الحاجة (يُعبَّر عنه علميًّا بالاستمرار في تناوُل سعراتٍ حراريةٍ زائدةٍ) وضعف الحركة أو ندرتها، وينتج عنه تراكم الدهون في جسم الإنسان.

 

أما تعريف الثقافة فهي ذلك الكُلُّ المركَّب والمُعقَّد، الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفنون والقيم والقانون والعادات، التي يكتسبها الإنسان كعضوٍ في المجتمع، وتتركَّز أهمية الثقافة في أنها تدخل في الفكر والشعور والأفعال.

 

ومن كلا التعريفين نستنتج تعريف السمنة المعرفية: هي المعارف والمعلومات المتفرِّقة والمجزَّأة وغير الضرورية، التي لا يحتاج إليها الإنسان في حياته، وتستهلك جزءًا كبيرًا من تفكيره، ولها التأثير البالغ في فكره وسلوكه، ولا يشعر بخطورتها.

 

وحتى تدرك خطورتها تخيَّل أنَّ بَنَّاءً يريد أن يبني بيتًا، فهل يستطيع أن يبني البيت من حجارة متفرِّقة وغير متناسقة، أَمِن الخزف المتناثر والرمل المبعثر؟! وما ذلك إلا لأنه وجد نفسه أمام كومةٍ هائلةٍ من الحجارة والأتربة والرمال! يقول برتراند رسل: عقل منفتح على الدوام هو عقلٌ فارغٌ على الدوام.

 

أم هل يصنع شيئًا بدون خطة يسير عليها؟! فعمل بدون مرجعية هو عمل تائه لا يُوصِل صاحبَه إلى هدفه، أم تُراه يُضيِّع عمره من غير نتيجة يصل إليها سوى أن يستغرب منه مَنْ يراه ويتعجَّب من صنيعه، ثم لك أن تتصوَّر منتوجه وبيته المشوَّه الذي سيصل إليه بعد العناء والوقت والتعب!

 

بل عليك أن تتصوَّر وجود طبيب ومهندس ومدرِّس ومحامٍ ووزيرٍ، كُلُّهم تخرجوا من صفحات وسائل التواصُل الاجتماعي، ولم يرتقوا في سُلَّم الدراسات الأكاديمية وعلى مقاعد الجامعات.

 

ومن معاني السمنة الثقافية “السفه المعرفي”، السفه: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ [البقرة: 13]؛ أي: الجَهَلة، ومنه يقال: سَفِهَ فلان رأيه؛ إذا جهِلَه، ومنه قيل للبذاء سَفَه؛ لأنه جَهْل، وفي اللسان: جهِلَه وكان رأيُه مضطربًا لا استقامة له.

 

وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130]: القول الجيد عندي في هذا: أنَّ سَفِه في موضع جَهِل، والمعنى والله أعلم: إلا مَن جَهِل نفسَه؛ أي: لم يفكِّر في نفسه، فوضع سَفِه في مَوْضِع جَهِل، وعُدِّي كما عُدِّي[1].

 

أسباب السمنة الثقافية:

سلطة الثقافة الغالبة، وهو عنوان لكتاب عظيم للمؤلف إبراهيم السكران، يذكر فيه المؤلف أثر الثقافة الغالبة في المجتمعات، وأن لها سلطة على توجُّهات الناس وآرائهم وعاداتهم، وبما أن وسائل التواصُل الاجتماعي امتزجت بعقول الناس وأفئدتهم، وخالطت عقولهم وأفهامهم، فمنها يستقون آراءهم، وهي مورد علومهم وثقافتهم، وغالب بضاعتها من الكمِّ الثقافي غير المنظم- هذا في أحسن أحوالها- أو من المعرفة التي لا فائدة منها، صار لها سطوة على عاداتهم وأفكارهم؛ ولكنها سلطة تدخل من غير استئذان، وبدون وقت محدد، وتجلس حيث شاءَتْ، تمارس بعثرة المكان وبثَّ الفوضى في العقل والوجدان.

 

حب التصدُّر في المجالس، من خلال التكلُّم عن أي موضوع يشغل الساحة المعرفية الحالية (الترند العالمي والمحلي)؛ مما يدفع صاحبه إلى تلقُّف الأخبار ومعرفة المنتشر من الأحداث حتى يحافظ على مواصلته الحديث في مجالسه.

 

سطوة وسائل التواصُل الاجتماعي في حياتنا، التي تساهم في حشو أدمغتنا بالكثير من المعلومات المتشعِّبة التي تتناول كمًّا هائلًا من الموضوعات المتفرقة، فلك أن تتخيَّل حسابًا في الفيس بوك مشتركًا في صفحات متنوعة (الأخبار، الفن، الرياضة، قرآن كريم، أحاديث نبوية، حِكَم متنوعة، مشاهير اليوتيوبر والتيك توك) كل هذه الصفحات تنشر قصصَها وأحداثَها بشكل متواصل، وصاحب هذا الحساب يقرأ خبرًا عن عدد القتلى في مدينة معينة، وعن زلزال في مدينة أخرى، ثم يتابع فريقه المفضل، ونتائجَه في المباريات، وبعدها يشارك في صفحته فيديو لقارئ يقرأ آيات معينة من القرآن، ثم يدخل إلى حساب للمسلسلات التي يتابعها فيشاهد فيها آخر حلقة وآخر ما تم نشرُه من أخبار ممثليها وفنانيها، بعد كل ذلك ينتقل إلى تويتر فتأتيه حكمة معينة فيُشاركها مع أصحابه في الواتساب والفيس بوك، كل ما ذكرناه وأكثر أنتج لنا الشخصيات المضطربة والمتناقضة في آن واحد، وهذا من أسباب ما دعا الكاتب إبراهيم السكران إلى أن يُؤلِّف كتابًا سمَّاه “الماجريات” والذي أنصح بقراءته؛ فهو يصوِّر خطورة المسألة وضررها العظيم على شخصياتنا ومجتمعاتنا.

 

هيمنة القنوات الإخبارية على حياتنا اليومية.

 

الفراغ الرُّوحي والمعرفي.

 

سهولة الوصول إلى المعرفة، وتسطيح الثقافة (الثقافة الأفقية: كثرة المعلومات المتفرِّقة وغير المترابطة).

 

عدم وجود هدف واضح يسعى إليه الإنسان في حياته، فأصبح كسفينةٍ في عُرْض البحر، وقد أضاع رُبَّانُها بوصلتَه؛ فلا يدري أين يتَّجِه، ولا يعرف كيف يسير.

 

أخطار السمنة الثقافية:

1- لأن الثقافة- كما بيَّنا في التعريف- لها تأثير في المعرفة والشعور والسلوك؛ لذلك سيكون للسمنة الثقافية تأثيرٌ في كل ما ذكرنا، وهذا التأثير بالغ الخطورة، وخطورتُه تكمُن في جهاتٍ ثلاثٍ:

الأولى: سيصبح للمعلومات المتفرِّقة وغير المهمة، أثرٌ كبيرٌ في تحديد توجُّهاتنا وآرائنا وأفعالنا، والأخطر من ذلك أنها ستُحدِّد في المستقبل قناعاتنا واعتقاداتنا.

 

الثانية: أن خطرها لا يظهر ولا يبدو للناظر القريب، ولا يشعر به حتى مَن يعاني هذه الآفةَ الخطيرةَ؛ لأنها تؤثر في الإنسان من حيث لا يشعر، ويكبر أثرُها مع الزمن حتى تصبح مثلَ كُرةِ الثلج.

 

الثالثة: موافقة الأفعال للاعتقادات، وهي فطرة فطر الله الخلق عليها (العوائد تنقل الطبائع، المزاولات تعطي الملكات)، لا يستطيع الإنسان السَّويُّ أن يعيش اضطرابًا داخليًّا، فإذا كان على قناعة معينة وتغيَّرت هذه القناعة مع الزمن بفعل عوامل مختلفة فستختلف بعد فترة أفعاله الناتجة عن تلك القناعة، وهذا أمر حتمي لا مفرَّ منه إلا عند المنافقين أو من يتظاهر بغير حقيقته، حتى يفتضح في بعض مواقفه (فضح التطبُّع شيمة المطبوع)، (يا أَيُّها المُتَحَلِّي غَيرَ شِيمَتِهِ = إنَّ التخلُّق يأتي دونه الخُلُق).

 

2- التخبُّط الكبير في الأفكار وعدم ترابط المعلومات؛ مما ينتج عنه تغيُّر كبير في المواقف التي يتخذها الإنسان في حياته؛ لذلك أضحى من المعروف والمشهور في حياتنا أن نرى الشخص نفسه في مواقف متناقضة وآراء مختلفة، وهذه نتيجة منطقية لتسطيح المعرفة خلافًا لما كان معروفًا في حياتنا الثقافية الماضية.

 

3- الاقتناع بكثير من الأفكار المغلوطة والاطِّلاع على كثير من الشُّبُهات المعرفية التي كثيرًا ما تُوافِق الهوى والشهوة المستحكمة في الإنسان؛ مما يضعف الموضوعية والنزاهة المعرفية، وهذان الأمران هما السياج الآمن الذي يمنع الإنسان من السقوط في مهاوي الخرافات والأغاليط الثقافية، كما أن الموضوعية والنزاهة من خصائص التفكير العلمي ومن مقوماته الأساسية.

 

4- ضعف الهِمَم في سلوك الطريق للوصول إلى الثقافة العمودية والمؤصلة، والمعرفة المتنامية في المواضيع المطروحة، وهي إما عبر الدراسة الأكاديمية أو عبر القراءة المتواصلة والمتراكبة في علم من العلوم أو موضوع من الموضوعات.

 

5- التُّخَمة الثقافية والفكرية التي تجعل من الإنسان يرى نفسه بأنه مثقف ومُطَّلِع على ما يجري في الساحة؛ مما يُضيِّق الساحة على المعلومات الحقيقية.

 

مُحدِّدات الثقافة:

بعد أن تكلَّمنا عن المخاطر والأسباب للسمنة المعرفية الفكرية، ينبغي علينا أن نُحدِّد الأُطُر والحدود التي يجب على المرء أن يضع نفسَه ضمنها؛ ليضمن لنفسه السلامة المعرفية، ومن هذه الأُطُر والمحدِّدات:

أن يشغل الإنسان نفسَه بما ينفعه من أمور الدنيا والدين، فعبودية المرء لله تقتضي منه أن ينشغل بالمهم؛ لأنه لم يُخلَق عبثًا.

 

أن يضع نصب عينيه المقصد الأساسي من خلقه ووجوده في هذه الحياة، وأن يُداوِم على تذكُّر أهدافه التي وضعها لنفسه في حياته.

 

أن يبتعد عن التفاهة قدر استطاعته بكافة أشكالها؛ وذلك لعدم إدراك خطورتها على فكر الإنسان، ورُوحه، وسلوكه، ومعتقده.

 

أن يعي بأنه قدوةٌ لغيره ممن يتبعه ويلوذ به، وهذا ما يُعظِّم من قدر مسؤوليته تجاه نفسه وتجاه غيره ممن هو مسؤول عنهم، طبقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلُّكُمْ راعٍ وكلُّكُمْ مسؤولٌ عن رعيَّتِه)).

 

الحلول المقترحة:

للنجاة من السمنة الثقافية والفكرية نقترح ما يلي:

الصبر والتعوُّد على السلوكيات المنطقية العلمية في طرق اكتساب المعلومة.

 

وضع نصب عيني المرء قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرْءِ تَرْكُه ما لا يَعنيه))، وحديثه صلى الله عليه وسلم: ((لن تزولَ قَدَما عَبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أرْبعٍ:… وعن عُمُره فيما أفْناهُ)).

 

إن حبَّ التصدُّر للحديث في المجالس يُوقِع الإنسانَ في كثيرٍ من الأخطاء الفكرية والمعرفية؛ مما ينتج عنه قِلَّة اعتبار للمرء في قلوب وعقول الناس التي تسمعه، وهذا أمر خطير؛ حيث إنه يجعل من جميع أحاديث الإنسان وكلامه ليس له قيمة أمام مَن يسمعه.

 

معرفة أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت لكثيرٍ من أفكار التافهين سطوةً على عقول الناس وأفكارهم، وإن هذه الوسائل تمارس القصف العشوائي للمعارف والأخبار والأفكار، وهذا الحشو غير المتوافق يُنتِج الشخصية المتناقضة والعلم الهجين والسِّقْط المشوَّه، واليقين أيضًا بأن القنوات التلفزيونية كلها لها برامج تخدمها وأفكار تسعى لنشرها للمتابعين لها.

 

التحديد المسبق للقنوات التي يتابعها الإنسان وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، وهذا التحديد يساعده بأن يضع لنفسه المسار الذي سيسير عليه في المستقبل، وهذا المسار يشبه المسار الذي يسير عليه القطار، فيجب ألا يخرج عنه إلا لأمر ضروري يعرف دوافعه ونتائجه.

 

الخاتمة:

أختم مقالي هذا بتشبيه الثقافة الزائدة التي لا يحتاج إليها الإنسان في أمور دينه ودنياه؛ كمسافر يحمل في حقيبته أشياء لا تلزمه في سفره، فهو ينوء بحملها، وهي لا تلزمه، أو كجائع جلس على مائدة فيها أطايب الطعام، فبدأ يحشو بطنه بالتراب والحصى، أو كتاجر سافر إلى بلدة بعيدة ليشتري فيها ويتاجر فرأى أشياء أعجبته، فأنفق عليها ماله، ثم تذكَّر بأن ما اشتراه ليس له راغبون أو محتاجون؛ فيصبح كمن يُلقي مالَه في المخلَّفات بعد أن تعِب في جمعه، وإن أخطر ما في ذلك أن المسافر والجائع والتاجر في أمثلتنا المنصرمة لن يستطيعوا أن يعودوا فيملؤوا محافظَهم وجَعْباتهم بالمفيد والنافع؛ لأنهم قد فاتهم أوان ذلك ورجعوا بخُفَّي حُنين.

 

كذلك سيندم صاحبُنا عندما يأتي يوم القيامة ويعلم أنه قد أنفق أوقاته في المفضول وانشغل بها عن الفاضل، هذا في أحسن أحواله، والله الموفِّق والهادي إلى سواء السبيل.


[1] غريب القرآن لابن قتيبة 41.





المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى