التاريخ الإسلامي

صور مما شاهد النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج


صور مما شاهد النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج

 

قال عليه الصلاة والسلام: ((لَمَّا فرَغت مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج، ولم أرَ شيئًا قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدني صاحبي – جبريل – فيه، حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة يقال له: إسماعيل، تحت يديه اثنا عشر ألف ملك، تحت يدي كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك))، قال: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31].

 

وفي صورة أخرى؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((تلقتني الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقني ملك إلا ضاحكًا مستبشرًا، يقول خيرًا ويدعو به، حتى لقيني ملك من الملائكة، فقال مثل ما قالوا، ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، لم أرَ منه من البِشر مثل الذي رأيت من غيره، فقلت لجبريل: يا جبريل، من هذا الملك الذي قال لي كما قالت الملائكة ولم يضحك ولم أرَ منه من البِشر مثل الذي رأيت منهم؟ قال: فقال لي جبريل: أما إنه لو كان ضحك إلى أحد كان قبلك أو كان ضاحكًا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك خازن النار))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فقلت لجبريل – وهو من الله تعالى بالمكان الذي وصف لكم: ﴿ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ [التكوير: 21] -: ألا تأمره أن يريني النار، فقال: بلى، يا مالك، أرِ محمدًا النار، قال: فكشف عنها غطاءها ففارت وارتفعت حتى ظننت لتأخذن ما أرى، قال: فقلت لجبريل: يا جبريل، مُرْه فليردها إلى مكانها، قال: فأمره، فقال لها: اخبي، فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه، فما شبهت رجوعها إلى وقوع الظل، حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها)).

 

وفي صورة أخرى؛رواية أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلًا جالسًا تعرض عليه أرواح بني آدم فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرًا ويسر بها، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه: أفٍّ، ويعبس بوجهه ويقول: روح خبيثة خرجت من جسد خبيث، قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم.

 

وفي صورة أخرى؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((ثم رأيت رجالًا لهم مشافر كمشافر الإبل، في أيديهم قطع من نار كالأفهار – الفهر الحجر الكبير – يقذفونها في أفواههم فتخرج من أدبارهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلمًا)).

 

وفي صورة أخرى؛ ثم قال: ((ثم رأيت رجالًا لهم بطون لم أرَ مثلها قط بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة – التي عطشت – حين يعرضون على النار يطؤونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك، قال: قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا)).

 

وفي صورة أخرى؛ قال: ((ثم رأيت رجالًا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب، قال: قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن)).

 

وفي صورة أخرى؛ قال: ((ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم))، وفي الحديث: ((اشتد غضب الله على امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فأكل حرائبهم – أموالهم – واطلع على عَوْراتهم)).

 

قال عليه الصلاة والسلام: ((ثم انحدرت أنا وجبريل إلى مضجعي، وكان كل ذلك في ليلة واحدة، فلما رجع إلى مكة علم أن الناس لا يصدقونه، فقعد في المسجد مغمومًا، فمر به أبو جهل، فقال كالمستهزئ: هل استفدت الليلة شيئًا؟ قال: ((نعم، أسري بي الليلة إلى بيت المقدس))، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ فقال: ((نعم))، فخاف أن يخبر بذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيجحده، فقال: أتخبر قومك بذلك؟ فقال: ((نعم))، فقال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي، هلمُّوا فأقبلوا، فحدثهم النبي صلى الله عليه وسلم، فمن مصدق ومكذب ومصفق وواضع يده على رأسه، وارتد بعض الناس ممن كان آمن به وصدقه، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر، قالوا: إن صاحبك يزعم كذا وكذا! فقال: إن كان قال ذلك فقد صدق، إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فسمي أبو بكرٍ الصِّدِّيقَ مِن يومئذ.

 

قالوا: فانعَتْ لنا المسجد الأقصى، قال: فذهبت أنعت حتى التبس عليَّ، قال: فجيء بالمسجد الأقصى وإني أنظر إليه، فجعلت أنعته، قالوا: فأخبرنا عن عيرنا، قال: قد مررت على عير بني فلان بالروحاء وقد أضلوا بعيرًا لهم وهم في طلبه، فأخذت قدحًا من ماء فشربته، فسلوهم عن ذلك، ومررت بعير بني فلان وفلان وفلان فرأيت راكبًا وقعودًا بذي مر، فنفر بكرهما مني فسقط فلان فانكسرت يده، فسلوهما، قال: ومررت بعيركم بالتنعيم يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم من طلوع الشمس))، فخرجوا إلى الثنية فجلسوا ينظرون طلوع الشمس ليكذبوه إذ قال قائل: هذه الشمس قد طلعت، فقال آخر: والله هذه العير قد طلعت يقدمها جمل أورق كما قال، فلم يفلحوا، وقالوا: إن هذا إلا سحر مبين.

 

وفي رواية ابن إسحاق، أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، فصفه لي، فوصفه له، فكان كلما وصف منه شيئًا يقول: أشهد أنك رسول الله، وهنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ((أنت يا أبا بكر الصِّدِّيق)).

 

وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف لأصحابه الأنبياء الذين التقاهم في السموات، فقال: ((أما إبراهيم فلم أرَ رجلًا أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل ضربٌ جعد أقنى، كأنه من رجال شنوءة، وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل سبط الشعر كثير خيلان الوجه، كأنه خرج من ديماس – حمام – تخال رأسه يقطر ماء وليس به ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفي)).

 

كما ورَد في سيرة ابن إسحاق أن الإسراء كان رؤيا، والرواية عن عائشة تقول: ما فقد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أسري بروحه، ورواية عن معاوية بن أبي سفيان كان يقول: كانت رؤيا من الله تعالى صادقة، معتمدين في ذلك على الآية الكريمة: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ [الإسراء: 60]، والصحيح أن الإسراء كان بشخصه وجسمه، ولو كان رؤيا لما جادلت قريش في ذلك، ولما قالت: صِفْه لنا، ولما استغربت؛ فالرؤى والأحلام تطرق كل إنسان، وتذهب به مذاهب شتى، فليس لها حدود تقف عندها، ولا يستغرب إنسان على إنسان لو قال له: اخترقت السموات السبع ونزلت إلى الأرضين السبع، وحملت الشمس بيدي اليمنى، والقمر بيدي اليسرى، ولكن الاستغراب جاء؛ لأنه حدثهم عن أمر وقع له باليقظة وبالبدن، وانطلق مسافرًا على البراق إلى بيت المقدس ذهابًا وإيابًا مع العروج إلى السماء ولقيا الأنبياء، فهنا تكمن المعجزة، وهنا يكمن التأييد من رب العالمين لحبيبه؛ ليخفف عنه من عناد قريش وموقفهم المعادي للدعوة، وأن الله القادر على كل شيء هو الحافظ للدعوة ولنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن قدرته لا تحدها حدود، هي مطلقة، ولو شاء لهداهم أجمعين، ولكن ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42]، وأن هذه الرحلة هي لتقوية صمود النبي صلى الله عليه وسلم، وللترويح عما هو فيه من صد المشركين وإيذائهم لضعفاء المسلمين، وقد كان يأمل من قريش التصديق والإقبال على الإسلام؛ ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، لقد خلَّد الله – جلَّت قدرته – هذه الرحلة في سورة الإسراء، مع الإشارة الظاهرة إلى الربط بين بيت المقدس والمسجد الحرام ربطًا وشائجيًّا لا تنفك عُرَاه، من حيث رسالة التوحيد وقداسة المكان؛ قال الله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1]، وتُبيِّن هذه الآية أن حادثة الإسراء كانت بالجسد والروح: ﴿ أَسْرَى بِعَبْدِهِ ﴾ [الإسراء: 1]، وضوح ما بعده وضوح تكريمًا له وإظهارًا لآيات الله الخارقة، وأنه صلى الله عليه وسلم يعتمد في دعوته على قوي عزيز، ثم جاءت سورة النجم فأتمت ما حدث في تلك الليلة، وكانت تصعيدًا في الإعجاز، فإذا كان الإسراء سفرًا سريعًا على ظهر البراق، وله نظير في سفر سليمان بالريح وهذا لم يخرج عن دائرة الأرض فهو طيران سطحي، أما المعراج فهو الخروج من دائرة الأرض – وفي المفهوم الحديث من قوة جاذبيتها – والارتقاء إلى ما فوق السماء السابعة عند سدرة المنتهى، وهناك فرض الله عليه وعلى أمته الصلوات الخمس؛ لأهميتها وعلو ثوابها عما سواها من الفرائض؛ فهي مفروضة على كل المسلمين بلا إعفاء، على الغني والفقير، على المسافر والمقيم، على الصحيح والمريض – بخلاف الفرائض العملية الأخرى؛ فالزكاة فرض على من ملك النصاب فقط، والحج على من ملك الزاد والراحلة – نفقات الحج تقدر حسب الشخص وبُعد المكان – والصوم فرض على الصحيح السليم ويعفى منه المريض – ولنستعرض آيات المعراج من سورة النجم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [النجم: 1 – 18].

 

قسَم رباني بالنجم وهو يهوي متعقبًا الشياطين الذين يستَرِقون السمع، وفيه تمهيد إلى أن شيئًا قد يحدث في السماء، أو حدثًا مهمًّا ستشهده السماء وهو يحتاج إلى حراسة مشددة، تردع الشياطين من الجوبان في السماء، وتلزمهم أماكنهم من الجزر المهجورة البعيدة؛ بعيدًا عن الحدث المهم، وهو العروج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السموات السبع، وأن هذه الرحلة المباركة فيها تقوية لصمود النبي صلى الله عليه وسلم، ورفع للروح المعنوية له، وأنه برعاية رب قادر، وحماية عزيز قوي، فلا يضره موقف قريش المعاند للدعوة؛ فهم أضعف من أن ينالوه بالأذى الذي يوقف دعوته، أو بالتصدي لضيائها الذي لا تحده حدود، وكان بعد القسم تزكية من الله له بأنه على هدى ورشد، وأن الله معه هاديه ومسدد خطواته، وتأتي التزكية الثانية الداعمة له دعمًا قويًّا يشد من صبره وثباته، بأنه لا ينطق عن هوى نفسه، وأن ما أتى به من القُرْآن هو وحي من الله، أظهره على لسانه يبشر به المتقين، وينذر به المعاندين الضالين المعارضين لانتشار هذا النور، إنه الناطق بالحق الموحى به إليه عن طريق الملك جبريل، فبلَّغ ما أمره الله به أن يبلغه للناس، فكان بلاغه الحق وعين الصدق، وقوة الدعوة تعتمد دائمًا على قوة مرسلها؛ فهي قوية لأنها دعوة الله، وهو الركن الشديد؛ لذلك كان أمره للأنبياء أن يأخذوا بها بقوة: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [البقرة: 63]، ﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ [مريم: 12]، ولموسى: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ﴾ [الأعراف: 145]، والنبي صلى الله عليه وسلم ليس بدعًا من الرسل؛ لذلك: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ﴾ [النجم: 5] وهو جبريلُ عن الله عز وجل، والمتعلم يكسب غالبًا أشياء من صفات المعلِّم: ﴿ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴾ [النجم: 6]، وهذا المعلم تام الخلق والتكوين والصحة والسلامة من الآفات، ومن تكن له هذه الصفات فهو بالطبع شديد قوي، فاستوى جبريل على هذه الهيئة القوية عندما انتصب في الأفق على صورته الملائكية، ﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴾ [النجم: 8]؛ أي: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليصحبه في رحلة المعراج، ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ [النجم: 9]، فدنا من النبي صلى الله عليه وسلم حتى لم يكن بينه وبينه سوى مسافة قوس أو قوسين، والمثل: “قاب قوسين أو أدنى” تستعمله العرب لشدة قرب المسافة، ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [النجم: 10]، ويبقى الكلام عن جبريل عليه السلام، الذي يتلقى التبليغ من الله، ولم تذكر السورة تفاصيل الموحى به اختصارًا؛ لأن مجمل سردها سيظهر من خلال تتابع نزول الآيات حتى اكتمال الشريعة المنزلة على النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴾ [النجم: 11]، لقد كانت ليلة المعراج حقيقة واقعة شهدها النبي صلى الله عليه وسلم بجسمه وعقله وجوارحه، يذكرها كما رآها؛ فقد عقلها بقلبه وفؤاده، ﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾ [النجم: 12]، فما حدث في ليلة الإسراء والمعراج كان حقًّا وصدقًا، فلا تجادلوه في صدق ما رأى، ولا تنكروا عليه ما روى، فإذا كان عقلكم لا يصدق ما حدث فلأنه قاصر لم يدرك حقيقة المعجزات التي تدعم الأنبياء وتؤيد صدق دعواهم؛ لأنها صادرة عن الخالق العظيم الذي لا يُعجزه شيء في السموات ولا في الأرض؛ فالمعجزة ينبغي أن تكون خارقة للعادة؛ لأنها تُظهر قوة الخالق العظيم، ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ [النجم: 13]، ولمزيد من تأكيد الحدث فقد رآه مرة أخرى على صورته الملكية، وهذه المرة أعطى علامة الموضع الذي رآه فيه، وهو عند سدرة المنتهى، شجرة السدرة، وعندها ينتهي علم المخلوق من الملائكة، ولا يعلمون ما وراءها، ﴿ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾ [النجم: 15]؛ فالجنة أقامها الله تعالى عند هذا المستوى، وما وراء ذلك هو لله، وفي علم الله وحده، بمعنى أنه لا يكشف للمخلوقين كل شيء؛ فمستوى علمهم ووصولهم إلى جنة المأوى، وروي قراءة: ﴿ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ﴾ [النجم: 15]؛ أي: أوى إليه وستره، والأول أقوى؛ لأنه مع السياق انسجامًا ومعنى، ﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾ [النجم: 16] هي شجرة كما سبق، ولكن ما الذي يغشى هذه السدرة ويأوي إليها؟ لك أن تتصور من يغشاها؛ لأن الخالق العظيم جعل في قوله: ﴿ مَا يَغْشَى ﴾ [النجم: 16] إبهام من يغشى؛ لإعطاء الخيال حقه من التصور بما شاء أن يتصور، ولن يخرج عن الحقيقة في كل ما يتصور؛ لذلك أطلق المفسرون العنان لخيالهم، فقالوا: جراد من ذهب، أفواج من الملائكة، رفرف أخضر، رفرف من طيور، واستعمال الفعل المضارع دليل الاستمراية في هذا الغشيان، فليست واقعة حالٍ مضت، وإنما صورة مستمرة دائبة الغشيان، ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾ [النجم: 17]، ولم تكن الرؤية خيالات أو تهيؤات تصورها عقله أو شطح بها خياله، وإنما كان البصر سليمًا حين رأى ما رأى دون مجاوزة أو مبالغة في الرؤية، أو انشغال بتنقيله هنا وهناك، وإنما كان مركزًا بصره إلى ما طلب منه أن يراه، ﴿ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [النجم: 18] رأى العزة والقوة لله، ورأى عظيم ملك الله وقدرته العظيمة حين اطلع على بعض خلقه في السموات، وعلى سدرة المنتهى الشجرة العظيمة.

 

وحول مَن قال: إن الإسراء كان بالروح، قال ابن كثير: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء طبق ما وقع؛ فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، وهذا توفيق بين الروايتين على مَن أخذ بقول عائشة: “أن جسده صلى الله عليه وسلم ما فُقد، وإنما كان الإسراء برُوحه”، وقول معاوية: “كانت رؤيا من الله صادقة”، وعائشة رضي الله عنها لم تكن قد تزوجت منه، ومعاوية لم يكن قد أسلم؛ فالإسراء بالروح والجسد.



المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى